يوميات

الحلم

‏‎‎‎‎‎‎الأحلام گ الطفولة.. لا تموتٌ وتندثر.. بل تختبئ فينا..

إعادة الاعمار عبر أساطير الأولين والنبؤات

رشاد

رشاد أنور كامل …

اقرأ خبر تناوله الكثير من الأصدقاء على الفيسبوك أن الاقتصادي الالماني “روبرت هلر” في لقاء مع صحيفة ستكوس تايم يتنبأ للسوريين ان سورية ستعود، وستعود أفضل، وستضاهي دبي في مكانتها عربيا وعالمياً… معللاً انتقال الثقل الاقتصادي الى الشرق من الغرب وعمليا هو يتحدث عن ان سورية ستصبح بلد الغاز …

ذكرني هذا الخبير النهفة، بالخبراء والحكماء الذين يستحضرهم بعض المشايخ في دروسهم وفي خطب الجمعة ليقنعوا مريديهم بأن هذه القصة قوية، قوية جداً، لدرجة أنه لم يذكرها مسلم، بل كافر من الغرب اقر بعظمة ما نملكه، فيقول الشيخ مثلاً : ان العالم فلان الفلاني اقر بأن الشام ستكون لؤلؤة الدنيا، كما ورد في الاحاديث، والغرب يعلم ذلك ويعلم ثرواتنا ولذلك لا يريد لنا أن نسمو ونرتقي ويحاربنا حتى لا ينتشر نور الايمان من الشام ….. (اعرف انكم سمعتم مثل هذا الكلام)…

وان تجتمع اليوم روايات الاعلام شبه الحكومي ويااا سيدي الحكومي مع روايات المشايخ في محاريب سورية، فهذا ان دل فهو يدل على أننا دخلنا عصر من التخطيط للمستقبل، مبني على وهم مؤامرة اهم رسائلها هي اننا نواجه من يمنعنا عن ان نصل الى ثرواتنا ونجاحاتنا، ويريح ضمائرنا من أن ما يحصل خارج قدراتنا، ويزيح عنا تهمة أننا لا نحسن التعامل مع الحاضر ولا نحسن التخطيط للمستقبل.

واذا كان لابد من الاساطير والنبوءات في بلادنا فلنحولها لصالحنا، فالأمم العظيمة بنيت على اساطير حاكها رجال وسيدات عظام، ولكن تلك النبوءات تحولت لآليات عمل وخطط، ومنهج عمل …. وتحولت النبوءات والاساطير المستقبلية الى شيء اهم وأرقى إنسانيا وهي … الرؤية.

اذا لنبدأ من الرؤية، سأروي لكم بدوري رواية …

في العام 2000 التحقت أنا عندما كنت بكندا في مدينة تورنتو، بشركة كبيرة جدا على المقياس الكندي، تبيع كل الالكترونيات وملحقاتها، عندهم 100 مركز بيع كبير في كل كندا.

وفي مرحلة التدريب الأولية لي وللجدد مثلي، المدرب شرح لنا في الدرس الأول ماهي رؤية الشركة وقال: رؤيتنا هي “ان نكون الشركة الأولى في كندا باختصاصها ” ….

ومن ثم كل ما بعدها من تدريبات، ومما هو مطلوب منا، كان هو تنفيذ هذه الرؤية. فكانت اعمالنا وخططنا ونتائجنا جميعها تقاس وفق هذا المعيار ….

في العام 2001 وبعدما تمرسنا في العمل وارتقيت لأكون مدير تحت التجريب عندهم، وفي احد الأيام تم جمع كل الموظفين والمدراء وتم عرض كلمة مسجلة للمدير التنفيذي للشركة وقال فيها لنا: تغيرت وتطورت رؤية الشركة، رؤيتنا الجديدة هي، ” خمسة في خمس” .. وشرح لنا ما تعنيه …. ببساطة يريد أن تتطور الشركة لتتمكن من ان تصل مبيعاتها السنوية الى سبعة مليارات دولار خلال خمس سنوات من الان، أي يجب أن نزيد مبيعاتنا بقيمة مليار دولار كل سنة، كون كنا نبيع بملياري دولار في ذلك العام ….

استغربنا … كيف ممكن فعلا أن نزيد مبيعاتنا سنويا بمبلغ مليار دولار، هذه ليست مزحة ….

اتاني مدير الشركة في انتاريو وكان شاب لبناني الاب سوري الام، وداعم كبير لي في الشركة …وصدف أنه كان في جولة في مكاتبنا، وسألته: ما القصة؟ كيف سننفذ؟

اجابني: الخطة بسيطة، لتنمو شركتنا بهذا الشكل وبهذا الوقت، لابد أن يكون هدفنا الأساسي هو سعادة المتعاملين معنا … أي (الزبائن)، يجب أن نصل الى الناس بطريقة تجعلهم يعتمدوننا كمصدر رئيسي لما يريدونه من الكترونيات وملحقاتها، وهذا لن يتم الا اذا قدمنا لهم منتج أفضل، وخدمة أفضل، وسعر أفضل…. وأول خطوة هي ان يشعر بالأمان معنا … لذلك اول خطوة اعتمدناها هي فتح سياسة ارجاع البضائع المشتراة من 15 يوم لشهر كامل، ونعيد المال له كاملاً، لا بشكل كوبونات ليشتري منها من محالنا كما كنا نفعل …. جرب وسترى الفرق ….

قلت له مستغرباً: شهر كامل، ويستطيع ارجاع ما اشتراه؟!!!!، سنغرق ببضائع مستخدمة ومرتجعة ….

ضحك واجابني: ان اردت ان تكبر، ثق بالناس أكثر …. نعم ستزيد نسبة المرتجع، ولكن ليس بقدر زيارة نسبة المبيعات ….

وهذا ما تم، وصلتنا الخطط والتعليمات، وكلها تدور حول اسعاد الزبائن، وتطوير أداء موظفينا وخبراتهم.

والنظرية هي ان الموظف الخبير والقادر على نصح الزبون، هو الخط الأول للشركة، هو الشركة في تلك اللحظة، وهو القادر على كسب ثقة الزبون، وهو القادر على البيع، وهو القادر على تحقيق أهدافها …..

فأصبح عملنا منقسماً ما بين تطوير خبرات موظفينا، وادائهم، واغناء بضائعنا وتنوعها، لنصل الى حد ان كل ما تطلبه عندما موجود، ومسموح لك ان تجرب المنتج لشهر، ان لم يعجبك تعده ….

وفي السنة الأولى من تلك التجربة، استطعنا كشركة تحقيق الرؤية، وزادت مبيعاتنا مليار دولار، لنصبح شركة مجموع مبيعاتها بالسنة 3 مليار دولار ….

فيما بعد، علمت أن هذه الرؤية لم تكن بهدف السيطرة على الأسواق، بقدر ما كانت، رؤية نافذة استباقية لحماية الشركة، من منافسة كبيرة قادمة، قادرة على الإطاحة بها، فالشركة الامريكية Best Buy وضعت عينها على السوق الكندي، وهي أكبر شركة الكترونيات في العالم، شركة تبيع بالسنة (هذا طبعا تقديرات عام 2002) بأكثر من 18 مليار دولار ….

ان الرؤية حمت الشركة من أن تذوب بلا ثمن، ورفعت من قيمتها التفاوضية، وحدت من طموحات الشركة الامريكية التي فهمت ان هذا السوق ان أرادته، فلابد لها من التعامل مع شركتنا، وهذا ما تم …

تعلمت معهم أن الرؤية هي المسطرة، هي الأسطورة التي تريد نقلها الى من معك في العمل، وهي النبوءة التي تعمل على حدوثها … ولكنها ليست بالضرورة دائما تسعى الى المواجهة، بل الى تحسين وضعك التفاوضي، ومكانتك بين الكبار ….

رغم أن شركتنا تم شراؤها من قبل الشركة الأمريكية عام 2003، ولكنهم لم يغيروا اسمها، ولم يغلقوا مراكزها التجارية الا بعد 12 سنة من تاريخ الاستحواذ، أي في العام 2015 لأن تأثيرها بالزبائن وولائهم لها كان كبيرا الى درجة ان عشر سنوات من المنافسة جنباً الى جنب من الشركة المستحوذة كانت مطلوبة لضم رؤية … بسيطة مثل ” خمسة في خمس” وما نتج عنها ….

لم يكن حجمنا المالي كشركة كبير، لكن ربط سعادة المتعاملين من الزبائن مع النمو، هو ما جعل للشركة حياة جديدة، وهو ما احياها 12 سنة اضافية.

ولذلك أي نبوءة او اسطورة او رؤية في بلادي لا تنطلق من النمو وربط ذلك النمو بسعادة كل السوريين، هو ضرب من التنجيم البحت …

وهذا لن يتحقق الا بتطوير الكوادر العاملة بالخدمة العامة من القطاعين العام والخاص وذلك لترتقي الى الخدمة المطلوبة والأداء المطلوب لتحقيق تلك الرؤية ….

عندما تكون مسطرة الرؤية السورية هي سعادة كل سوري، فأول ما يجب التخلص منه من أسلوب تخطيطنا السابق هو التضحية بسعادة السوريين او بقسم منهم من اجل الصالح العام، أو من أجل غيره …

ونوجد قوانين ونطور تعليمات متمحورة نحو سعادة الفرد السوري.

ونحو سعادة ورفاه وغنى الفرد السوري.

وعندما يتحقق ذلك …. سنتحول الى معادلة من الصعب تجاوزها اقليماً وعالمياً..

مع الاخذ بعين الاعتبار حجمنا الحقيقي، جغرافياً واقتصادياً،

فالأحلام غير الواقعية تتحول سريعاً الى كابوس …

وحزن ….

الى اليوم ….. ننتظر الرؤية

رؤية ضمن امكاناتنا …

بعدها لكل حادث حديث …..

 

التصنيفات : رشاد كامل

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة