يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

بغال ميزوري

رشاد كامل

رشاد أنور كامل

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانطلاقة مشروع مارشال لاعادة اعمار الدول المتضررة من الحرب حلفاء كانوا أم أعداء، كان من نصيب شاب جامعي امريكي لايبلغ العشرين من العمر ان يكون ضمن البعثة الامريكية الموكلة بوضع خطة إعادة اعمار اليونان، وعلى مايبدو كانت مهمتهم صعبة ، وبالمقابل غير مهمة، فاليونان بلد لم يتضرر كثيرا بالحرب، وبنفس الوقت لم يكن من البلدان الاوربية المتقدمة، فمعادلات التنمية وإعادة الاعمار في هذا البلد على مايبدو لاتنطبق عليها الوصفات الجاهزة.

وبعد سنة واحدة فقط وجد هذا الشاب نفسه وحيدا في مسؤوليته عن مشروع التخطيط لاعادة الاعمار في اليونان بعدما تم إعادة نقل الخبراء الكبار الى الأماكن الاكثر تضررا او تلك التي تنطبق عليها اختصاصاتهم وايضاً مواردهم التي تعتمد على التقنيات الامريكية والتجهيزات الامريكية في إعادة الاعمار.

في الفيلم الوثائقي الذي حضرته عن هذا الموضوع جلس هذا الشاب العشريني الذي اصبح الان في بداية التسعينيات من عمره يروي التحديات التي واجهته، كشاب، في مهمة كبيرة كهذه. واهم جزء من روايته هي تصميمه على إيجاد حل للشعب اليوناني الفقير، الذي وجد نفسه متضررا بالحرب وبنفس الوقت على هامش تمويل إعادة الاعمار … معظمهم فلاحين في الجبال ، فالاليات لا تصل بسهولة ولا فعالية كبيرة لها ، ومع انهيار بناهم التحتية وصناعاتهم ، كان لابد لليونان من إيجاد مخرج … ومخرجهم الأول هو الاكتفاء الغذائي الذاتي ، وخاصة أن أوروبا ان لم نقل كل العالم كان يعاني من نقص الغذاء والايدي العاملة القوية التي خسرها في الحرب.

درس هذا الخبير الشاب كل الاحتمالات ، درس سياسات تمويل بلاده أمريكا لمشاريع إعادة الاعمار، ودرس المجتمع الزراعي اليوناني، واسلوبهم في الزراعة ، ووضع بناء عليها خطة ، خطته كانت ، استبدال الحمير اليونانية الصغيرة المستخدمة في الفلاحة والنقل ، بآلات اكثر فعالية وجبروت ، هذه الالة ، هي بغل ، بغل من ولاية ميزوري ، لما يتصف به هذا البغل من قوة وقدرة ، ساعدت المستوطنين الامريكان الاوائل في استصلاح واستعمار ولايات بأكملها ، فاصبح شعارا لها …. فاخرج خطة تنموية جريئة وهي منح اليونان 25 الف بغل من بغال ميزوري الشهيرة …

خطته بسيطة ، توزيع البغال على الفلاحين بالمجان ، مما يساعدهم على استصلاح أراضيهم بشكل اسرع واعمق، وتساعدهم أيضا في نقل بضائعهم بكفاءة أكبر ضمن وعورة المسالك الجبلية التي تضررت بتأثير الحرب ، ورفع الخطة الى ادارته ، والتي اندهشت لبساطتها، ولكنها بنفس الوقت اهتمت بواقعيتها ، فكانت من اكثر الخطط التنموية التي تم تدريسها فيما بعد لكفاءتها في الاستجابة لعدد من المعاملات والتي من أهمها : الحاجة الأكثر الحاحا للشعب اليوناني مرحليا وهي الاكتفاء الغذائي وعودة عجلة الزراعة التي ستكون الرافعة الاقتصادية الأولى في إعادة بناء اليونان ، سهولة تنفيذ المهمة التي فعليا لاتحتاح الى تدريب يؤخر عملية الإنتاج، والاهم عدم الحاجة الى وقود وصيانة لتلك البغال لم تكن متوفرة لو منحوهم مثلا جرارات ..

وتحدث صاحب الفكرة عن ان اهم المصاعب التي واجهت خطته تلك هي نزق البغال التي لم يكن متعودا عليها الفلاح اليوناني مع حماره المطيع، وهذا النزق للبغل صاحب الشخصية تم تدريب فلاحي اليونان على التعامل معها بالتعامل باحترام وتفهم لخصائص البغل الأمريكي ، فهذه الالة القوية لها شخصية ، وان ارادوا التنمية ، فلابد لهم من قبولها ….

ومن اجمل الأفلام التي تم تصديرها للتواصل مع الفلاحين اليونان حول بغال ميزوري وشخصيتها فيلم موجود على اليوتيوب صادر عن إدارة مشروع مارشال تم تصويره بشكل روائي عن فلاح وابنه وبغل ميزوري تم تسليمه لهما ، وكيف تعامل الاب مع البغل مما أدى الى رفض البغل الاستجابة له وهربه بعدها من المزرعة ، ومن ثم كيف عامله الابن باحترام لخصائصه وطوعه لحراثة الأرض الصعبة ونقل المحصول ….

يتم تدريس هذه الحالة وذكرها لا لطرافتها ، ولا لأن عنوانها بغل ، بل لأن وراءها شخص تنموي ذكي ساعد امة كاملة في تلمس خطواتها بالخروج من ركود مابعد الحرب ..

اليوم في سورية قد لا نحتاج بغالاً ، ولكننا بالتأكيد نحتاج عقول تنموية واقعية تدرس كل بقعة في سورية وتضع لها خطة تنموية تتناسب مع معطياتها من بنى تحتية متوفرة، وقوى عاملة، وموارد ، واولويات ..

فلا خطة إعادة اعمارواحدة لكل سورية

بل مجموعة من خطط الاعمار التي تشكل بمجموعها الصورة الكاملة لخطة تنمية تبدأ بإعادة الاعمار لتنتهي الى تمكين التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي المتسارع لاحقا …

يجب ان نستمع جيدا لطروحات خبراء كل منطقة وكل مدينة وكل قرية ، ونأخذ طروحاتهم ونحولها بالتعاون معهم الى خطط قابلة للتحقيق وندمج رؤاهم المحلية برؤية وطنية شاملة …

وربما سنحتاج الى فيلم توضيحي لخبرائنا السوريين والعالميين نعلمهم فيه أن طرقهم القديمة في التخطيط والتنفيذ ستنفرحتى البغال ، فما بالكم … البشر …

التصنيفات : رشاد كامل

وسوم المقالة :

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة