فاضل السباعي: ثقافة شعبية نهلها من طفولته في أسواق حلب وعمّقها بالاجتهاد

يوميات

×

sibaee

يجمع إخلاص الباحث بتوق الرحالة إلى اكتناز أكبر عدد ممكن من الحكايات، مع هاجس الروائي الذي لا يفوته أن يقدّم لقرائه كلَّ من يلتقيهم على هيئة «شخوص» منسوجة بعناية تستأهل أن يقرأ عنها. وبهمّة المصور الفوتوغرافي ودأبه يلتقط تفاصيل التفاصيل من متن الحياة وحواشيها؛ من الأفعال المهمة للناس وتلك الهامشية.. وهو بذلك كالعالم الأندلسي الإشبيليّ «أبي العباس النباتي» ليس في كونه «جمّاعَةَ كتبٍ» فقط؛ بل بأنه جمّاعة قصص لا تنسى.. إنه فاضل السباعي الذي استكملَ لنا أجوبته، أو «اعترافاته» كما يحلو له تسميتها، التي وعدنا بها بعد أن زرناه في بيته تلك الزيارة الوجدانية…  وها هي هنا أفكاره كما أرسلها لنا عبر «النت» هذه الوسيلة التكنولوجية الحديثة التي يقول عنها رأياً طريفاً، بأنها غيّرتْ علاقة الناس مع بعضهم، وشكلَ جلساتهم وسهراتهم، إذ ليس فقط أصبح بإمكان المرء أن يلتقي من يريده وقتما يشاء، بل الأجمل من ذلك أنها تُمكِّن الإنسان من أن «يحذف» الشخص الغليظ بكبسة زر واحدة!… إليكم الحوار:

في لغتك قدرة مذهلة على التعبير بأناقة عالية حتى عن أبسط الأشياء أو أعقد المواضيع.. من أين لك تلك المقدرة اللغوية التي سبّبت لك انتقادات كثيرة بأنها «لغة مترفة»؟!

••هذه اللغة، التي يصفها بعضهم بأنها «مترفة»، لم أصل إليها بسهولة، هي حصيلة جهد واجتهاد عبر عقود من السنين. وأنا تلميذ في «ثانوية المأمون» في حلب في النصف الثاني من الأربعينيات، كنت أقرأ المجلات الأسبوعية السهلة اللغة، مثلما أُقبل على المجلات الثقافية الشهرية التي ينشر فيها أكابر الكتّاب، وأذكر أني، وأنا تلميذ يلبس «الشورت»، بدأت اقتناء مجلة «الكتاب» منذ أن صدر عددها الأول عن دار المعارف في مصر أواخر العام 1946، وتابعت قراءتها وسواها حتى احتجابها في 1952. وذات يوم قرأت انتقاداً للمثقفين يرسله كاتب مصري يقول إنه ليس هناك مثقف عربي يمكنه أن يقرأ صفحة من كتاب من دون أن يقع في كثير من الأخطاء النحوية، وينصح بأن يحاول محبُّ الثقافة والأدب أن يقرأ، وبصوت عالٍ، محرّكاً أواخر الكلمات، مُسائلاً نفسه عن صحتها كي يُقوّم لغته… وقد استجبت للنصيحة، فمكّنت نفسي من أن أضع قواعد اللغة التي أتعلّمها في المدرسة موضع التطبيق. وهل أذكر لك متعتي بالقراءة للكُتّاب الأولين، وتوقّفي – مثلاً- عند فقرات من كتاب «الحيوان» للجاحظ، متأمّلاً صوغه للجملة، ومدى احتيازه البلاغة فيها؟ من دون أن يفوتني أنه في بعض مواضع من هذا الكتاب كان يهيض أسلوبه، ولا يخفى ذلك عليّ!.

«تَرَفٌ»! «لغة مترفة»! هل أتّهمهم بالقصور، قصورهم في التعبير وعجزهم عن بلوغ الأجمل؟، طيّب، فليقولوا: لغة سليمة، أنيقة، جزلة. في شبكة التواصل كتبَ لي الأديب والسياسي «محمد الأمين» (وزير خارجية موريتانيا الأسبق)، واصفاً لغتي بـ«المصقولة»، أعجبني الوصف، فإني أراه يتجاوز المفردات إلى بنيان الجملة. وفي هذا الصدد، سألت يوماً (في ربيع 2002) المستعرب السويدي الشاب، الذي تهمّم لأن تكون قصصي، المتّخِذة من «الفانتازيا» أسلوباً في تكوين القصة، موضوعاً لأطروحة يُعدّها في جامعة استوكهولم… سألته جادّاً عمّا إذا كانت لغتي، وسمّيتها له «الجَزْلة»، سيُتعِبُه فهمُها وترجمتُه للمقاطع التي يستشهد بها في أطروحته؟، فأجابني بأن الأمر هو عكس ذلك، فالمفردات «الصعبة» يمكن التعرف على معانيها بالرجوع إلى المعجم، ولكنه لاحظ أنّ الجملة عندي تخلو من «الترهّل»، لا يَعيبها تزيّدٌ في المفردات أو نقص، لغة منضبطة… أعترف بأنه -واسمه «فيليب سايار»- لفتني إلى جانب في لغتي أمارسه تلقائياً، ولم يخطر لي التعبير عنه: انضباط اللغة، ضبْطها! وقد أتمّ كتابة الأطروحة باللغة الانكليزية، وتولّت السيدة «سماء محاسني» نقلها إلى العربية، وعنوانها «خارج السرب، رسالة في «فنّ الفانتازيا» في قصص فاضل…»، تبحث عن ناشر!. ثمة مقولة، أرسلها قبل قرنين من الزمان ويزيد، كاتب فرنسي اسمهGeorges – Louis Leclerc أصبحت فيما بعد ممّا يستشهد به الثاقفون في «الأسلوبية» وغيرها: «الأسلوب هو الرجل!»، ما معناها؟، إنّ الإنسان كما يتميّز من سواه ببصمة يده، فإنه لكذلك يتميّز بين سواه من الكتّاب بأسلوبه، وقد يتشابه كاتبان لغة، ولكن محال أن يتطابقا أسلوباً، وإذا كان الفضل والمزيّة يعودان لثقافة الكاتب، فإنهما يعودان أيضاً، وبالقدر ذاته، إلى ما يتّبع كلّ منهما من أسلوب في الكتابة. وعلى ذلك فإنّ لغتي، أسلوبي الذي يَصمونه بأنه «مترف»، يشكّل علامة فارقة بين الكتّاب من أبناء جيلي. وغير ذلك تجويدي للكلمة التي أكتب، وعنايتي حتى بأدوات الترقيم!.

تبدو استعاراتُك ومجازاتُك والإسقاطات في قصصك وكأنها مستقاة من «ألف ليلة و ليلة» أو من «كليلة ودمنة» كما في قصّتك «عيون ملوّنة» مثلاً، أهي حيلة أدبية كي لا تُكرّر نفسك ولتُثري بها عالمك القصصي.. أم هي مداورة لتجنّب الرقابة؟!.

••بل قل بصراحة ولا تُداور: هي مداورة لتجنّب الرقابة والمساءلة والمحاسبة! يا عزيزي يضطر الكاتب أحياناً إلى أن يتوارى خلف الرمز، وأن يتّخذ أسلوب «الفانتازيا» الخلّاق!. في عام 1966 (ربما) رأيت مناماً تُنتقص فيه حقوقي موظفاً، ولم يكن المنام أضغاث أحلام، بل واقعاً تصعّد عندي إلى دنيا الأحلام. فيه «خلطت الأوراق» وقلت ما ليس يقال في مجرى الحياة اليومية، مثلاً في وقفة بطل القصة على باب الفرن ساعة الفجر ليشتري الخبز لإخوته الصغار، يأتي مدعومٌ يتجاوز الدور ويهدّد المعترضين عليه، بطلُ قصتي الذي ظنَّ نفسه حكيماً، يرفع صوته قائلاً: «لماذا تتشاجرون ونحن أرقى شعوب العالم؟»، فيقول اثنان أو ثلاثة من الواقفين في الصف: «وكيف نكون أرقى شعوب العالم وليس عندنا مسرحٌ رفيع، ولا موسيقا سيمفونية، ويقع في بلدنا انقلاب أو محاولة انقلاب فاشلة!… وتمضي القصة – الحلميّة لترسم مظاهر الهلوسة التي ينوء بها بطل القصة. نشرت في مجلة «المجلة» القاهرية الراقية. تلك القصة كانت البداية، وتبعتها قصص وحكايات. هل أحدثك عن قصة كتبتها عام 1967، فيها صوّرتُ حالة تعذيب نفسي يمارسه سجّان على معتقل مثقف، وجعلتُ منتعل البسطار يُبدي سروره مما آلت إليه حالة المعتقل، يقول: «يبدو لي أن…»، مستلهماً ذلك مما كان شاع في تلك الأيام في الصين عن «غسل دماغ» المعارضين… وأضيف: لقد ظلت هذه القصة أسيرة درج رئيس تحرير مجلة «الموقف الأدبي» في أول صدورها عاماً كاملاً، وهو يسوّف ويماطل إلى أن صرّح بالرفض، فنشرت القصة – وعنوانها «العينان في الأفق الشرقي» – في مجلة «الكاتب» في القاهرة  مستغرقة عشرين صفحة، ترافقها ثلاث لوحات تزيينيّة.

ولست أتهم السلطة، بأنها هي التي توعز بالتضييق على الكتّاب في مجالاتهم الإبداعية، إنها «تصرّفات» يمكن القول بأنها «فردية» يمارسها المسؤول عن المجلة، إمّا بدافع من خوف ملتبس، أو تملّقاً للسلطة (مَلَكيٌّ أكثر من المَلِك)، أو تحجيماً للمبدع من قبل مبدع مسؤول غَيرةً وحسداً.

وأعترف بأن المجلتين الأدبيّتين في دمشق («المعرفة» و«الموقف الأدبي») نشرتا لي قصصاً من هذا المنحى، بل إنّ الرقابة على المصنفات الأدبية أتاحت لي إصدار كتبي (التي تولّت نشرها الدار التي أحدثتها بسبب تردّد الناشرين في إصدارها أو تخوّفهم)، وهي غير قليلة، منها «الألم على نار هادئة» و«حزن حتى الموت» و«آه.. يا وطني!» و«تقول الحكاية»… وفي إشارتك إلى الكتابين العربيين الخالدين «ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة»، أقول إني في قصصي «المؤدلجة» هذه، أنطقتُ «الحيوان»، وجعلتُ كذلك «النبات» يفكّر ويعي ويتكلم، ومنحته المقدرة على أن يستمع إلى حديث البشر ويفهمه، إلا أنّ البشر لا يسمعون كلامه، ومن ثَمّ يجهلون ما يعاني من أوجاع!.

وفي نهاية القصة «عيون ملونة» يُطلق القطُّ صرخة أسىً فيقول مخاطباً أمَّه: «الإنسان يظلُّ إنساناً»، وكأنه يقول: «الوحش يبقى وحشاً».. لمَ هذه القسوة والغضب على الجنس البشري من قِبلك؟!

••لكن ألا ترى أنّ صرخة القط «لاكي» هذه تشبه صرخة الإنسان الذي يتلقّى «التعذيب» من أخيه الإنسان، فيَصِمه بأنّ تصرّفه «حيواني» أو أنه «وحش»؟، كلّ من الإنسان والحيوان يصف الآخر بما يراه منافياً لجنسه. في شأن القطّ «لاكي» ورفاقه القطط الأربعة «المدجّنة» في بيت ذلك المسؤول الذي سمّته القصة «الباشا»، كان يبعثُ صاحب البيت، هاوي القطط الجميلة، بكلّ واحد منها إلى الطبيب البيطري، يجري له عملية «إخصاء» ونزْعَ مخالب، على التتابع، وهل ثمّة أقسى من هذين الفعلين في حق كائن، الحرمان من الدفاع عن النفس، وإفقاده القدرة على ممارسة الجنس؟ حتى إنّ أصدقاء الباشا يقولون له مرة يمازحونه: «كأننا نراك، يا باشا، تجعل من هذه القطط في بيتك حقل تجارب، تتمرّن بها على سلّ قوة الرعية وتدجينها». وكان لا بدّ من خاتمة لقصة هذا القطّ، أنه نجا بنفسه هارباً من بيت الباشا، لكن بعد أن كان قد تمّ إخصاؤه. قصة كتبتها وأنا في إقامة مؤقتة عند ابنتي في «لوس انجلوس» صيف 2004، أرى في البيت قطّاً قد خضع لعملية الإخصاء، فغدا سميناً يكاد جلده ينشق سِمَناً، وطال وَبَرُه الأبيض الناصع، ووجدته صموتاً وكأنه يجترّ أحزاناً، وهو الذي أوحى إليّ بفكرة هذه القصة.  لم أكن قاسياً في حق الإنسان، فكثيراً ما يكون الإنسان أقسى من الحيوان… ألا ترى ذبح الحيوانات، ما يمشي منها وما يطير، وتقطيع لحومها وطبْخَها على نار هادئة أو لاهبة، وتمرير ما يسمّى «سيخ المعاش» عليها تنعيماً تمهيداً لشيّها بهيئة «كَبَاب»؟، ولكنا لا نسمع تأوّهات الذبائح لأنّ الحيوان لا ينطق، فأنطقته وأصغيت إليه. ولنتمعّن في حالة القطّ بعد أن أفلح في الهرب: «في موسم الأمطار، عندما بدأ يرتفع مُواء القطط اللهيف، تطلب القطة لنفسها قطاً أليفاً تحافظ به على النوع، كان القطّ المسكين ينزوي في ركن، يستمع إلى المواء وليس في إمكانه أن يستجيب. إلا أنّ بعض حزنه يتبدّد، عندما يُنشِب مخالبه في الأرض، مُحدّثاً نفسه: لي مخالب، فأنا قادر على البقاء… سؤالك زيّن لي أن أسترسل.

لكنك اتجهت نحو المباشرة الأيديولوجية كما في قصة «الأشباح»، وبشكل أوضح وأكثر جرأة في قصّتك «الخروج من النفق» لدرجة بدت كأنها استشرافٌ غريبٌ لما سُمّي لاحقاً «ثورات شعبية»؟

••أجل، كتبت «الأشباح» عام 1980، و«الخروج من النفق» عام 2004 (في لوس انجلوس أيضاً) عدا الصفحة الأولى منها، وقد كنت بدأتها وأنا في المعرض الدولي للكتاب في القاهرة مطلع 2003، ولم أقوَ على المتابعة، كانت القصة «شديدة الوطأة»، فحملت تلك الورقة إلى حيث أتممت، ولقد كتبت كثيراً من ذلك قبلها، وأول ما أصدرت في هذا الباب كان ما تحصّل لديّ من قصص خلال السنوات من 1967 حتى أوائل السبعينيات، في مجموعة سمّيتها «حزن حتى الموت» (مقتبِساً العنوان من كلمة للسيد المسيح نطق بها عقب العشاء الأخير، ثمّ كان ما كان ممّا ترويه الأناجيل الأربعة من الصلب والقيامة).

تقول: «المباشرة الإيديولوجية»!، أنا لا أؤيدك في هذا التوصيف. فالإيديولوجيات متعدّدة، متغيّرة، وهي تتخالف وتتنافر حتى الاقتتال، أما ما اشتغلت عليه، وما أزال، فهو الحرية، الشوق إليها والتماهي معها حتى الموت في سبيلها، قصة «الأشباح»، مواطن يُنتزع من بيته سويعة الفجر، ويُذهب به إلى حيث توجَّه إليه اتهامات هو بريء منها، وتحت التعذيب يموت، فتنسلّ روحه من جسده لتعود شبحاً يرهب الجلادين. هل أقول إني استوحيت فكرتها من قصة «المعطف» للروسي غوغول الذي «خرج الروائيون الروس من «معطفه»» كما يقال؟ لعلها امتداد لشخصية «أكاكي أكاكيافتش». نُشرت في مجلة «الثقافة العربية»، بنغازي ليبيا 1981 . و«الخروج من النفق» مواطن آلى على نفسه أن يجاهر بانتقاد ما شاع في مجتمعه من قهر وفقر وفساد. ازدراه «المحقق» أولاً، فلمّا جاءته المعرفة به، قدّرَه واحترمَه لدرجة البكاء، ولكن بطل القصة يخسر ولده، الذي كانوا أخذوه في أثناء ذلك إلى حيث أرادوا أن ينتزعوا منه «الحقيقة الوهمية»، فعذبوه حتى الموت. نشرت في مجلة «دبي الثقافية» 2009 ربما.

ليس في هاتين القصتين «أيديولوجيا» قابلة للتغيّر، إنّ فيهما، وفي كلّ ما كتبت – منذ الستينيات حتى اليوم – من قصص اتخذت فيها من «الفانتازيا» مذهباً فنيّاً… فيها أشواق متّقدة إلى الحرية، المطلب غير القابل للتغيّر.

بالعموم.. لم أستطع تحديد طبيعة قصصك وأجوائها، فتارة تذكّرني بقصص عزيز نيسين التركي، وأخرى تضعني في أجواء القصص الروسية (غوغول، تشيخوف)، وأحياناً لا تشبه إلا نفسك.. أتعتقد أن ما سبّبته لي كتاباتك من سباحة عبر الأمكنة والأزمنة هو ميزةٌ من مزاياك.. أم يسوؤك أن يقال ذلك عنها؟

••إنها «ميزة» يا صديقي، قُلْها ولا تتردّد.  وربما لم يخطر لك، أو هو خطر في بالك، أني أكتب القصة والرواية في مذاهب من الفن السردي والموضوعات، واقعيّاً، ورومنسيّاً، ومرحاً حتى إضحاك القارئ بصوت عال، وتراجيديّاً حتى استدرار الدموع، ولا تنس قصصاً غير قليلة سلكت فيها درب التنديد بمسبّبات القهر وعوامل الفساد، فضلاً عن قصص وطنية احتواها كتابي القصصي الأول «الشوق واللقاء»1958، 1992. (هذا إلى ما كتبته من دراسات تاريخية، ومقاربة لتاريخ الطبّ أتقدم ببحوثي فيه إلى المؤتمرات القطرية والندوات العالمية. وليس لأحد أن يظنّ هذا تشتيتاً لفنّ الكتابة، وأتردّد في الادعاء بأنه إثراء)، ولا بأس في ألّا تستطيع تحديد طبيعة قصصي وأجوائها، فهي من جميع ما بيّنتُ،  وأضيف إني «قَرْزَمت» الشعر وأنا طالب في «ثانوية المأمون في حلب»، ونشرت في تلك الآونة مقطوعات، منها: (خذ هذه الناي واعزف في جوانبها/ لحناً حزيناً فما يشجيك يشجيني( من بحر «الطويل» (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل) إلى أن تبيّنت أنّ قلمي يليق به النثر.

يقال إن ما يحصل مع الإنسان يشبهه، أو يشبه ما يحلم به بشدّة، لدرجة أن القدر نفسه يجعل أمور الحياة تجري لمصلحة تلك الأحلام والرغبات العميقة التي يريدها الإنسان بصدق.. هل تعتقد بعد هذا العمر أن ما حصل معك هو اجتهادٌ ودأب ومغالبة للحياة.. أم هو ضربة حظّ موفقة؟!

••حين كنت ألتهم، في سنّ المراهقة، الكتب والمجلات قراءةً، كنت أحلم بأن أغدو يوماً كاتباً مرموقاً، يتخذ جلسة الكتابة وراء نافذة تطلّ على طريق «الجميليّة- متنزّه السبيل»، في «فيلا» تشبُه تلك التي ابتناها الوجيه الحلبي «فتح الله الصقال»، لم يتحقق الحلم، لما أخذت أكتب القصة القصيرة، حلمت بأن أكتب رواية، فكتبت القصة المطوّلة أولاً، فمرّنت قلمي حتى استطعت بالصبر والدأب أن أكتب روايتين قارب تعداد كلمات كلّ منهما المئة ألف مفردة.  كانت «حركة النشر» في سورية متواضعة، فحققت حلمي بأن أنشر في عاصمتَي الثقافة العربيتين، القاهرة وبيروت، حتى إنه صدر لي كتاب في سلسلة «اقرأ» الشهرية الشهيرة وأنا في حدود الثلاثين من العمر، تمنيت أن يُترجم شيء من أعمالي إلى اللغات، فكان. لم يكن الحظّ، الذي لا أومن به، بل كان الاجتهاد.

قدّمتَ مؤخّراً لكتاب الدكتور أحمد الطاهري «الأندلس في عصر بني عبّاد، دراسة في سوسيولوجيا الثقافة والاقتصاد»، الصادر عن دار النشر الخاصة بك والمسمّاة «إشبيلية»، وهو اسم أندلسي أيضاً، ما الذي وجدته في حضارة العرب هناك ولم تجده في بلاد المشرق التي تنتمي إليها؟!

••هي الحضارة ذاتها في مشرق وفي مغرب، وكانت في الأندلس متأخرة دوماً مئة عام عن نظيرتها في المشرق. ولكنها في دمشق وبغداد أكثر عراقة، ونحن نحب الأندلس لأسباب: أنها قطرٌ خرج من المنظومة العربية بسقوط غرناطة آخر المعاقل هناك عام 1492م، فحُزننا على ذلك لا يماثله إلا وجعُنا على جزء غال من بلاد الشام، هو فلسطين. أنّ الأندلس كانت البوابة الغربية لديار المسلمين، التي عبرها انتقلت العلوم العربية المشرقية إلى الغرب بترجمة كثير من الكتب المشرقية إلى اللاتينية فيما سمّيناه «مدرسة طليطلة» بعد سقوطها في يد الإسبان. وهل أقول إنّ الحضارة الأندلسية تميّزت بالرهافة؟، وقد أسهم في بنائها الأندلسيون جميعاً، من أقلية عربية، ومن أقلية أكبر بقليل أسمّيها «المغربية» (متجنّباً لفظ «البربرية» الذي يضيق به المغاربة)، وأما الأكثرية الساحقة فهم الأندلسيون من أصول إسبانية، الذين اعتنقوا الإسلام وتكلموا العربية، وبدوا أكثر دفاعاً عن «أندلسيّتهم» من سائر الأعراق، فقد كانت الأندلس لهم ابتداء وانتهاء.  الباحث المغربي الدكتور أحمد الطاهري عُني في كتابه بتفاصيل الحياة الأندلسية إلى حدّ الانبهار والإبهار، كتبت له مقدمة، مثلما قدّمت للكتاب الذي سبقه «فضل الأندلس على ثقافة الغرب» تأليف البروفسور خوان بيرنيت، وهما في سلسلة تولّيت إصدارها بعنوان «الكتاب الأندلسي»،  وأحبّ أن أضيف أنّ عرب المشرق كانوا أوشكوا أن ينسوا الأندلس، إلا من أنه كانت لنا يوماً دولة هناك… إلى أن أنشد الشاعر أحمد شوقي وهو منفيٌّ في إسبانيا (ما بين 1915-1919) قصيدتيه فيما رآه من آثار باهرة، فأنعش الذاكرة، وقام الدارسون بالكتابة عن الأندلس والعناية بالمخطوطات الموروثة، وكان للمغرب من هذه العناية النصيب الأوفى. نعم سمّيت الدار التي أحدثتها في دمشق «إشبيلية» لهذا الهوى عندي بفردوسنا المفقود.

يقال في علم النفس الحديث إن أكثر المشاهدات تأثيراً في العقل الباطن للإنسان هي في السنوات الخمس الأولى من حياته.. حدّثني عن حارتك بحلب المسمّاة «ورا الجامع» وعن «زقاق الزهراوي» الذي ولدت في أحد دوره العربية المعطّرة بعبق الماضي، وعن «سوق المدينة»؟!

••وكأنك قرأتَ، اليوم أو أمس، ما كتبتُه يوماً عن السنوات الخمس الأولى من حياتي! كنت أكتب هذا الفصل الأول وكأنني أغرف من بحر، ويوم سلّمت النصّ – وهو طويل – لمجلتنا «المعرفة»، وقبل أن يأخذ شكله المعدّ للطباعة، زوّدت رئيس التحرير، الدكتور علي القيم، بإضافات عزّ عليّ ألا تأخذ مكانها في هذا النصّ، الذي وثّقتْه ذاكرة حَفِيّة بتفاصيل الطفولة الحميمة، وسرعان ما خرج للناس، في هذه المجلة، متمدّداً على صفحات تجاوزت العشرين حين لم يكن من خطة المجلة نشر ما يزيد على عشر، رسمت فيه الحياة في البيت المؤلف من «أرض حوش» (أرض ديار) تحيط بها الغرف وتتوسطها البركة (البحرة)، وتسمق فيها أشجار وأزهار. وكان لا بدّ من أن أمضي إلى عالم المدرسة (وكانت تسمّى ذيّاك العهد «مدرسة الروضة»)، وقد كنت في «رعاية» أختي التي تكبُرني بعامين، تُمكّنني من أن أتسلّل بين لداتها من البنات، أشاركهنّ لعبة «يصبحكن بالخير، يا عمّار العمّارة»، هذه الأهزوجة التي كانت صديقتنا الأديبة «جمانة طه» تظنّ أنها خاصةٌ بمدينتها الوادعة في سفح الجبل تغسل قدميها بماء المتوسط «جَبْلة» الأدهميّة، إلى أن قرأت ما كتبت فعرفت أنها أهزوجة يتغنّى بها الأطفال في أرجاء الشام، وفيما هو أبعد… أطلتُ، أعرف، هكذا أنت تريد!.

و«سوق المدينة» الذي كان لوالدك محلٌّ فيه؟

•• «سوق المدينة»، هذا الفريدُ في نوعه إلا في القدس وتونس العاصمة، لكنه في حلب تتعدّد أسواقه، المتوازية والمتقاطعة، وتطول حتى تبلغ نحواً من سبعة كيلو مترات أو ثمانية، كما حدثني الباحث الدكتور محمد حريتاني. فقد كان لوالدي ولعمي محلّ في سوق من أسواقه يسمّى «سوق العبي» (العباءات) ورثاه عن جدّي. فيه تعرّفت، منذ طفولتي الباكرة، على الناس الشعبيّين وعلى من هم في القاع: تجّار مرموقون وباعة صغار، سماسرة من اليهود يأتون من «خان الجمرك» العريق يعرضون بضاعتهم المستوردة، وأتقياء وغوغاء، وحمّالون على الظهر وعلى الدابّة.. أتذكر ذلك المتسوّل «المَمْسوس» الذي كان يدخل سوق المدينة من بابه الفوقاني المواجه للجانب الغربي من القلعة، حاملاً على ذراعه طفلة صغيرة، «يتسبّب» بما يتصوّره أغنية يكرّرها بصوته الواهن:  «حفرتْ الجبّ بالإبره… واللهْ حفرتُه، والله حفرتُه.. طلعتْ لي وحده حبله… واللهْ حبله والله حبله»، فكنت أتساءل كيف يمكن حفر جبٍّ بإبرة؟، وكيف تطلع من الجبّ «مره حبله»؟ .. هي «ثقافة شعبية» نهلتها صغيراً من مصادرها!  ولمّا شاءت الظروف أن أصبح كاتباً، استلهمت أولى قصصي الشعبيّة من السوق الذي يلي سوقنا صعوداً نحو القلعة «سوق الزَّرْب»: محامٍ ناشئ (وكنت يومئذ محامياً متدرّباً) يُخفق في نَيل «أتعاب» دعوى ربحها لصالح بائع في هذا السوق سمّيته «الحاج بكري الخوام»، وكانت هذه القصة أول ما نُشر لي في مجلة «الآداب» اللبنانية (عدد تشرين الثاني 1955) بعنوان «صندوق الدقيق» (نزلت بعدئذ بعنوان غيره «الغيث في أوله»، في مجموعتي القصصية «الليلة الأخيرة»، دار المعرفة، القاهرة 1961.

أستاذ فاضل، مع هذه الثقافة الواسعة الشعبية المستمدة من أيام الطفولة، والتي زوّدتها بما يلزم من ثقافة القصصيّ والروائي، وأنت المعنيّ بقضايا المجتمع، والمسكون بالتاريخ.. هل تحدّثنا باختصار عن استقبال القراء والنقاد لك، في وطننا الصغير والكبير، وما وراء حدود الوطن العربي؟

••بدأت النشر في مطلع الخمسينيّات وأنا طالب في الجامعة، بل قبيل ذلك يوم كنت طالباً نشرت في المجلات المدرسية. وأقرّ بأنّ لمجلة «الأديب» اللبنانية كبيرَ فضْل عليّ يوم كنت في عداد «شُداة الأدب» (الناشئين)، وكان من اهتمام صاحب المجلة «البير أديب» – رحمه الله – أنه ما إن يتلقى مني المادة المرسلة حتى يبادر إلى تقديمها للنشر في العدد الذي بين يديه، ونحن ندري فِعْلُ ذلك في نفس الكاتب مبتدئاً كان أم متمرّساً. في نشر كتابي الأول «الشوق واللقاء»، كانت دور النشر في بيروت تعتذر لي بامتلاء برنامج النشر عندها، ولما تبيّنت أنها مشكلة «الكتاب الأول!» نشرته بحلب على نفقتي (1958)، ولا حرج في أني كنت أُودع نسخاً من الكتاب في المكتبات، وأتلقى من الأصدقاء المساعدة في تسويقه. وفي السنة التي تلت نشرت لي دار الآداب ثاني كتبي «ضيف من الشرق» ونشرت دار المعارف بمصر كتابي «مواطن أمام القضاء» في سلسلتها الشهرية «اقرأ»، وأذكر كلمة طيبة للأستاذ فايز إسماعيل، المحب للأدب قارئاً وجمّاعة كتب، قال: «لقد اقتحم فاضل السباعي قلعة النشر المصرية وهو دون الثلاثين من العمر»، كلمة أذكرها وأعتزّ بها. كنت، ذيّاك العهد، أقيم في حلب بعيداً عن أضواء العاصمة حيث كانت تحتدم المناقشات على صفحات جريدة «النقّاد» الأسبوعية يديرها الصحفي المخضرم سعيد الجزائري، ويبدو أنّ الشباب أندادي في العاصمة (وكنا كُثراً مع تفتّح القرائح لأدب القصة في سورية في عقد الخمسينيّات) لم «يمنحوني ودّهم» وأنا أتجاوز النشر في دمشق إلى بيروت والقاهرة. وبدا أنّ امتناع الودّ استمرّ حتى بعد أن أنشئ «اتحاد الكتّاب العرب» (وقد كنت فيه من الأعضاء المؤسسين، وشاركت في اجتماعات التأسيس)، فما حظي أيّ من مخطوطاتي بموافقة منه على تبنّي نشره، وأخصّ كتابي المتميّز «حزن حتى الموت» الذي حاولوا بكلّ الإصرار رفضه، ثمّ كان أن نُشر في بيروت بثلاث طبعات متتابعة، والرابعة بدمشق، وإصدار لكتاب خامس في باريس مترجماً إلى الفرنسية. كان ما كتبه النقاد والدارسون المنصفون عن أعمالي يفوق قيميّاً الكثير مما كتبه الذين لا يملكون من النزاهة إلا أيسرها. صبرت إلى أن آن يومٌ يعتذر لي فيه هؤلاء، حيناً بعد حين، وقد رأوا أنّ هامتي كانت تنحني لرياحهم ولكنها تعود منتصبة.  كما تُرجمت بعض قصصي إلى بضع عشرة لغة، وأُعدّت أطروحات ماجستير ودكتوراه في أوروبا حول أدبي، آخرها ما يُعدّه في تركيا «وائل الآغا» و«كلثوم سليمان».

على ذِكْر الأماكن ومشاعر الحنين.. أعلم أنك مؤخّراً تركت الإقامة في أمريكا وعدت إلى بيتك في دمشق، في سفح قاسيون، رغم التخويفات الكثيرة من بعض الأصدقاء وتحذيراتهم لك بعدم الرجوع بدواعي «غضب الجهات الأمنية» عليك.. لكنك كما قلت لنا في زيارتك لـ«صحيفة تشرين»: إنك أتيت بثقة كبيرة، وها أنت تتحرك بحريّتك من دون أي مضايقات.. ما الذي يمكن أن تقوله لنا في هذا الشأن؟ وما الذي تتمناه؟

••أسرتي الكبيرة مقيمة في حلب (وأصلُ الجدّ من حمص). سكنتُ دمشق صيف 1966 بحكم الوظيفة. قبل الأحداث التي تعصف اليوم في بلدي، كان بعض ذريّتي قد توجّهوا للإقامة في أمريكا، فلما اشتعلت الحرب انضمّ إليهم من بقي منهم، ابني وأسرته الصغيرة. وتوجّهت ابنتي الفنانة التشكيلية «خلود» إلى القاهرة يرافقها ابنها التشكيلي أيضاً، لتشارك في الأنشطة الفنية هناك، عرضاً ورسماً في ورشات فنية… وبقيت أنا في دمشق، فغلبني أبنائي في فلوريدا على أن ألتحق بهم. أقمت هناك، خمسة بيوت لذرّيتي في بلدة «بالم باي »Palm Bay الوادعة في حضن الغابات، وبيت سادس في مدينة قريبة «جاكسون- فيل» حيث تقيم حفيدة لي. عشرون فرداً، ما بين أبناء وأحفاد وأسباط وأطفال لهؤلاء، وأصهار وكنائن، وأماسٍ ساهرة، وكأننا نعيش في الوطن. شيء كان ينغّص عليّ وجودي هناك: بُعدي عن الوطن (لولا توحّدي في البيت إن عدت)، وأمر آخر يوازيه: إنّ في البيت الذي غادرته هناك، يرقد على الرفوف وفي الأدراج والأضابير، كثيرٌ من الفصول والنصوص، قصص وروايات، ودراسات في الأدب، وبحوث في التاريخ، وحوارات فيها ومضات من سيرة الحياة، ذلك كله يتطلب الاستخراج، والتصنيف، والتنضيد، والإعداد ليكون مشاريع كتب، هي نتاج عمر عشته في الأدب، إن غبت عنه غاب هو في العدم، فليس هناك من يعرف عنه شيئاً أي شيء… ثمّ كان أن عادت ابنتي من القاهرة فعزمت هناك على العودة إلى الوطن. في اعتزامي هذا، الذي أعربت عنه في صفحتي، بدأت ترد إليّ، في التعليقات الظاهرة وعبر الرسائل، تحذيراتٌ من أن يصيبني مكروه منذ اجتيازي الحدود اللبنانية-السورية، نتيجة لما أعبّر عنه في صفحتي من الآراء، وبدلاً من الاستجابة عيّنت يوم رحلة العودة وسويعة دخولي أرض الوطن. وفي حديقة بيتي التُقطت لي صور وأنا في وعثاء السفر ونُشرت في صفحتي. نعم، أتنقّل بحرية، وأتابع ما كنت فيه قبل السفر وفي أثنائه وبعد العودة، وأكتب زاوية صغيرة أسبوعية في جريدة «تشرين»، في الثقافة، مستحضراً ما تيسّر من ذكرياتي القريبة والبعيدة، سمّيتها «أيام وليال»، ويدي على قلبي خوفاً على الوطن، وعلى مدينتي العزيزة العظيمة حلب.

سوف تطرق أبواب التسعين من العمر بعد سنتين من الآن.. كيف تفكّر بالموت؟ هل تخشاه؟

•• في سنّ الشباب كنت أخشى الموت، لسببين: ظنّي أني لم أكتب بعد إلا شيئاً ممّا أريد، والثاني أنه ليس لأسرتي الصغيرة من مورد رزق إلا ما يتحصّل لي من راتب الوظيفة، ومن قليلٍ أكسبه من مداد القلم. بعدئذ لم أعد أخشى الموت، أرحّب به يوم يأتي. أمر واحد ما زال يقلقني، هو هذا الكمّ مما كتبت ولمّا يُصنّف أو يُحضّر طباعيّاً لنشره في حياتي – وأنا أعيش في «الوقت الضائع» – أو بعد رحيلي.

تشرين

تواصل معنا

Submit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to Twitter

ليس لديك صلاحية إضافة تعليق ، تحتاج للتسجيل في الموقع.

تابعوا آخر الأخبار عبر تطبيق تيلغرام على الهواتف الذكية عبر الرابط : من هنا

تابعوا آخر الأخبار عبر تطبيق تيلغرام على الهواتف الذكية عبر الرابط : من هنا

تابعونا عبر قناتنا على اليوتيوب : من هنا

تابعونا عبر تطبيق واتس أب :
عبر إرسال كلمة اشتراك على الرقم / 0994143134/ بعد تخزينه باسم صاحبة الجلالة أو MajestyNews

تابعونا عبر صفحتنا على تويتر : من هنا

Template Settings

Color

For each color, the params below will be given default values
Blue Oranges Red

Body

Background Color
Text Color

Header

Background Color

Spotlight3

Background Color

Spotlight4

Background Color

Spotlight5

Background Color

Footer

Select menu
Google Font
Body Font-size
Body Font-family
Direction