سور ومئذنة ومتحف.. تعرف على ما تبقى من مدريد العربية
مدريد هي العاصمة الأوروبية الوحيدة التي أسسها العرب وتطور اسمها في اللغة من «مجريط» الذي كان يشير إلى مصدر الماء، لكن القليل من سكانها يعرفون ذلك، فما الذي بقى من هذه المدينة الصغيرة المحصنة التي كانت أندلسية لقرنين من الزمان؟
تابعت صحيفة الباييس في تقرير لها ما تقوم به الحكومة حاليًا لإحياء الجانب العربي من تاريخ المدينة حيث نشرت مؤخرًا كتابًا يذكّر بالأصل الأندلسي للعاصمة، كما تنظم جولات بصحبة مرشدين في مناطقها القديمة، وتعمل على ترميم نقوش السور الإسلامي المحيط بها، كتاب مجريط الذي نُشر مؤخرًا هو دليل مصور لمدريد القديمة التي كانت قائمة في العصور الوسطى، وهو يأخذ قارئه سيرًا على الأقدام عبر البقايا العربية من مدريد التي لا تزال باقية من تلك الفترة التاريخية. كما طبعت الحكومة كتيبًا آخر يتناول مدريد الإسلامية وتقوم هذا الصيف بتثبيت لوحات إرشادية بالإسبانية والعربية والإنجليزية للتعريف بقيمة هذه الآثار الباقية من مدريد الإسلامية التي قاومت الزمان.
أسسها أمير قرطبي
«تأسست مدريد في منتصف القرن التاسع على يد الأمير القرطبي محمد الأول لتكون مستوطنة عسكرية وظلت تحت حكم المسلمين لقرنين من الزمان حتى عام 1085» كما تشير روث بيمنتال من مؤسسة البيت العربي، المعنية بالعلاقات العربية الإسبانية، ولهذا يجب أن تبدأ الجولة – في رأيها – من المدينة التي تحمل اسم هذا القائد، والتي تقع في منحدر فيجا. وتتضمن مجموعة من أقدم الأشجار وترتفع بينها أشجار السرو، وتختلط الأسماء والروائح العربية – الغار والورد واللافندر والسماق– يلفها صمت مفاجئ، على بعد خطوات قليلة من قلب العاصمة حيث يمتد السور العربي بطول 120 مترًا وارتفاع 11 مترًا، وتبرز على طول السور عدة أبراج للحراسة، هناك تطلق لك الأجواء العنان لتتخيل ما كانت تبدو عليه المدينة حين كانت حصنًا يتحدث الناس فيه بالعربية ويحمّلون بضائعهم على البغال لتنقلها بين الشوارع الضيقة والمساجد. وقد تعاونت الحكومة مع مؤسسة الثقافة الإسلامية لتضع لوحات إرشادية تتضمن معلومات عن محتويات متحف سان إيسيديرو، أما على الآثار الأخرى في المدينة فلم توضع إشارات لتمييزها، لذا يبدو البحث عنها مثل لعبة العثور على المتشابهات. مؤلف دليل مجريط خوان كورتيس يوضح أنه في أحد ميادين منحدر رامون يمكن رؤية قطعة أخرى من السور الذي يختفي تحت مرآب مبنى سكني، أسفل جسر سيجوبيا في شارع بايلين. وعلى مسافة لا تبعد كثيرًا في ميدان أورينتي، بالنزول إلى موقف السيارات العام في الطابق الأول تحت الأرض، هناك برج مراقبة من العصر الإسلامي يعود للقرن الحادي عشر، يقول كورتيس «أنشئ حينها لمراقبة وحراسة محيط المدينة».آثار إسلامية فوق وتحت الأرض
ينظم مؤلف الكتاب جولات مجانية وتمتد الرحلات إلى ميدان Ramales حيث يقول «يمكنك هناك رؤية الصومعة الوحيدة الباقية من العصر الإسلامي والتي كانت جزءًا من شبكة هائلة من الصوامع» وهي بئر يوجد اليوم في موقف سيارات وكان قريبًا من كنيسة سان خوان قبل هدمها. يمكن لزائر المدينة القيام بجولة أخرى بصحبة مرشد سياحي تتكلف 10 يورو وتستغرق ثلاث ساعات، يقول رافاييل سانشيز الذي يتولى تنظيمها «اختفت الكثير من المعالم هناك لكنني أحاول أن أروي القصص المتعلقة بالماضي الإسلامي للمدينة»، يرى سانشيز أن أحد المحطات الأكثر إثارة للاهتمام هو متحف سان إيسيدرو في ميدان سان أندريس «بعد تجديده بشكل كامل، توجد الآن غرفة كاملة مخصصة لعلم الآثار العربية، حيث يمكن رؤية العديد من بقايا الآثار الإسلامية الموجودة في الحفريات في قلب المدينة». كما ينظم البيت العربي جولات مصحوبة بمرشدين إلى هذه الأماكن عدة مرات في السنة. تستغرق ساعتين ونصف الساعة وتكلف ما بين خمسة وثمانية يورو. وتقدم جولات أخرى عبر الكنوز الإسلامية والمدجّنة التي بناها المسلمون ممن بقوا بعد سقوط الأندلس في مجتمع مدريد، ومنها بقايا قلعة النار (Alcalá de Henares)، وتالامانكا دي جاراما (Talamanca del Jarama)، وقد أصدرت المؤسسة كتاب من مجريط: مدريد والعرب من القرن التاسع إلى القرن الحادي والعشرين، تناول التراث الإسلامي للمدينة.مئذنة أو برج الجرس
