يوميات

مفاجآت

فوجئت مؤسسة المعارض بإقبال الناس على مدينة المعارض يوم الجمعة ..وقريبا ستكون مفاجأة محافظة دمشق بقدوم الشتاء كما ستفاجىء وزارة النفط بأن الشتاء بارد … و المواطن سيفاجىء إن حصل غير ذلك!!

إيران أو فن النضج في الجليد

essam tkroty

عصام التكروري

حدث ذلك في إحدى مشافي طهران، فما أن انتهى المصوّر من التقاط صورة تذكارية لثمانية و عشرون زائرا سورياً تحلقوا حول الطبيب الأطفال السبعيني الذي انتهى للتو من استعراض الواقع السياسي الدولي و تداعيات الحرب السورية، حتى اندفع أحدهم ليكون أول مصافحيه، و ليدُسّ في يد الطبيب الهزيلة ورقة مكتوبة بالانكليزية ، و بتواضع لا يخلو من السطوة التي يتركها العلم في عيون حامليه ، قرأ  الطبيب المُسن  الورقة ، و أشار له أن يتبعه إلى عيادته.

 دقائق مرّت و نحن ننتظر عودة صديقنا ، أثناءها تجادلنا فيما لو كان من المناسب أن يطلب من هذا الطبيب بالذات أن يصف دواءا لابنه المصاب بمرض من مخلفات الحرب السورية، الجدل توقف لدى رؤية صديقنا قادماً يلوح بالوصفة الطبية ، و هو يقول ” الشفاء من عنده تعالى ، و لكن ابني سيشفى أما بتأثير الدواء، أو بتأثير “الدهشة” التي ستصيبه عندما أشرح له عن الطبيب الذي كتب له الوصفة” … أنه علي اكبر ولايتي مستشار القائد الأعلى للثورة الإسلامية للشؤون الخارجية و وزير الخارجية السابق ( 1981ـ 1997) و الذي ـ وبعد يومين من كتابة تلك الوصفة ـ طار إلى دمشق و أجرى مباحثات مع قيادتها.

في طهران يحضر ـ و بقوة ـ كتاب “القوة الناعمة” لجوزيف ناي الذي يؤكد أن القيادة الديمقراطية الناجعة تقوم على “القيادة بالقدوة ” أكثر من قيامها على “القيادة بالقوة” ، أي عندما تُشكل الطبقة السياسية قدوة للجماهير لجهة تمسكها بقيم العمل و النزاهة و التعاطي مع المال العام على طريقة عمر بن الخطاب : التعفف عن المساس بالمال العام وقت يتوفر للقائد الكفاف، و إلا فالإنفاق منه بإحسان وصولا للكفاف، هكذا قيادة ستجعل شريحة واسعة من الجماهير تحذو حذوها ، ستخضعها ” للاذعان الطوعي ” دون الحاجة إلى خطابات تُطنب بمديح الفضيلة و تدعو لاجتثاث الفساد و تحض على الحفاظ على المال العام ، أما أولئك الذين لا تجد “القيادة بالقدوة” صدى لديهم فتتكفل ” القيادة بالقوة ” بتقويم سلوكهم عبر قوانين صارمة و عادلة يُعهد بتنفيذها إلى قضاء مستقل ، فأحمدي نجاد لم يجبر بعض وزراءه على تغيير سياراتهم الحديثة، و لا قال لهم أن ايران بلد تحت الحصار منذ عام 1979 الأمر الذي يفرض على الجميع شد الأحزمة، و إنما اكتفى فقط بالمثابرة على ركوب سيارته  البيجو 504 موديل 1977 ( و التي باعها بمزاد علني بمبلغ مليونين و نصف دولار قدّمه دعما لمشروع بناء 60 ألف شقة سكنية للمعوقين) ليحذو الوزراء حذوه لجهة التواضع في اقتناء المركبات. يكمن دهاء الإيرانيين بأنهم باعوا الغرب شيئا لا يملكونه ( القنبلة النووية)، و انتزعوا منه حقهم بحيازة آمنة لما هم بحاجة إليه للارتقاء على سُلم الدول العظمى ( الطاقة النووية)، هذا الأمر ـ و الذي يدل على دهاء حقيقي ـ ما كان ليتم من دون وجود ” القيادة القدوة ” التي يبدو اليوم أنها كانت تُطبق حرفيا  مقولة هنري ميشو القائلة ” بانتظار الشمس تعلّم أن تنضج في الجليد”، و عليه ، فلقد استطاع الشعب الإيراني أن يحول الحصار الغربي الخانق إلى فرصة لبناء دولة تتوافر فيها اغلب البُنى التحتية و القدرات العلمية و التكنولوجية و المؤسسات البحثية و الأكاديمية المتوافرة للدول العظمى، و الفضل في ذلك يعود بجزء مهم منه إلى من يسميهم مُضيفنا  ب”مجاهدي العلم” ، هؤلاء  هم العلماء الإيرانيون الذين سرّبوا التكنولوجيا الغربية إلى ايران حيث يوجد العديد منهم اليوم في سجون الغرب ، و ربما سيكون إطلاق سراح هؤلاء هو عنوان مرحلة الانفتاح على الغرب.

لا يركز الإعلام الإيراني الموجَه إلى العالم على حياة الناس في الشارع، لذلك  لك أن تتخيل حجم الصدمة التي تُصيب الزائر القادم إلى ايران و في ذهنه أنها بلد  يرزح تحت  “حكم الملالي”، هذا الاعتقاد سيُصاب بالتفسخ ـ على الأقل ـ لدى رؤيته عازفي الغيتار في شوارع طهران يعزفون ألحانا فارسية و قد جلس قبالتهم شبان و شابات يستمعون لموسيقاهم دون أن يفوت المارة التصفيق لهم ، أو لدى رؤية الزائر أن غالبية من يمارس الرياضة في حدائق طهران ( و غالبية الحدائق مجهزة بمعدات نوادي الfitness       ) هم من السيدات أو الشابات و قد وضع بعضهن لُصاقة على الأنف تدل على قيامهن بإجراء عملية تجميل ، فإيران ـ و بحسب الجمعية الدولية لجراحة التجميل ـ هي الدولة الأولى في العالم لجهة عمليات تجميل الأنف، و ربما ستكون دهشة الزائر أكبر عندما يرى أن هؤلاء الشبان و الشابات يقفون أمام احد الخيام المرتجلة التي توزع الشاي على المارة في ذكرى الإمام الحسين .

 الشباب الإيراني حاضر في مراكز الإدارة كافة ، هذا الشباب هو “القنبلة النووية الخضراء” التي خرجت بها ايران بعد سبعة و ثلاثون عاما من الحصار ، و بعد أطول حرب عرفها القرن العشرين ( حرب الخليج الأولى ، ثماني سنوات)، من هنا فمن غير المستبعد أن  يكون اختراق هذا الشباب أحد عناوين “سياسة الاحتواء” و “القضم من الداخل” التي سيلجأ إليها الغرب  في مرحلة ما بعد الانفتاح ، مهمة الغرب هذه لن تكون سهلة  بتقديرنا ، إذ عندما يتعلق الأمر بعظمة ايران لا فرق بين محافظ و إصلاحي ، فضلا عن أن البطالة ( أم الرذائل و محراك الشرور) في صفوف الشباب هي ـ و بحسب مضيفنا ـ في حدودها الدنيا ، و الدولة تقدم معونات للعاطلين عن العمل ، و أزمة السكن شهدت انفراجا كبيرا حينما تولى المسؤول اللوجيستي في الحرب العراقية ـ الإيرانية وزارة الإسكان في عهد احمدي نجاد فبات بإمكان العروسين الحصول على سكن الزوجية بقروض بسيطة، و في مدة أقصاها سنة من تاريخ عقد القران.

 في ايران يجلس الماضي قُبالة الحاضر و غالبا ما يسيران جنبا إلى جنب ، في الملمات ترى الماضي يدفع قوته الروحية في شرايين الحاضر فيشد من عضده ، و في فترات الانفراج يرمم الحاضر روح الماضي عرفانا بالجميل، إنها ثقافة ” القوة الناعمة” التي يدرك  الغرب سحرها و قدرتها في التغلغل ” بالأرواح الميتة ” ، تماما مثلما يخشاها ملاّك ” مدن الملح”.

التصنيفات : عصام التكروري

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة