المسؤولية السورية المغيبة

دخلت لقاءات أستانا منذ عام تقريباً مرحلة مختلفة، فبعد «المؤتمر الوطني» في سوتشي تحولت مهمتها وغدت تنسيقياً إقليمياً للحفاظ على توازنات الدول الراعية، وربما سيستمر هذا الأمر لفترة طويلة لينقل «معضلة سورية» بامتياز، فموسكو وأنقرة وطهران لن يستطيعوا تبديل المعادلات الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه لديهم حدود باتت واضحة في مسألة التأثير على مسار الحل النهائي، فالاختراق الممكن لا يتضح في اللقاءات التي تجري أو الترتيبات المتعلقة باللجنة الدستورية، إنما في إبعاد هذه الترتيبات قدر الإمكان عن الحسابات القائمة اليوم بين العواصم الكبرى.
إن المسألة المهمشة في موضوع الحل السياسي هي عدم اعتراف جميع الأطراف بأن المساحة السورية لا يمكن ترتيبها دولياً، حيث أصبحت خطوط تماس لكل الأطراف، ولم تعد تعبر عن مصالح فيزيائية للدول الكبرى، فهي جغرافيا يتم الاستناد إليها للتأثير على قضايا مختلفة، وعلى مستقبل التوازن الدولي عموماً، وهذه التجربة ليست فريدة على مستوى التاريخ السياسي، فنموذج الحرب الإسبانية ينقل بعضاً من هذا الشكل في التوازنات الدولية، والمقاربة السورية في هذا الموضوع يمكن إيضاحها في أمرين:
الأول إن التأثيرات الدولية دخلت مرحلة من عدم القدرة على التحرك في هوامش الأزمة، فالتعامل العسكري هو الجانب الوحيد لتغيير موازين القوى القائمة، وكل الترتيبات الاقتصادية، بما فيها الحصار الاقتصادي على سورية وحلفائها، يعزز عدم القدرة على التعامل المرن أو السياسي مع الأزمة السورية.
ضمن هذا الواقع تظهر جميع القوى السورية في حالة إغلاق، فالسياسات الرسمية موجودة ضمن المساحة نفسها سواء في عملية التفاوض أم حتى على الجبهات العسكرية التي أصبحت خطوطاً حمراً بالنسبة للولايات المتحدة بالدرجة الأولى، في المقابل فإن الجهد الداخلي لتعزيز الاستقرار يتعرض للاضطراب نتيجة سنوات الحرب وعمليات الحصار أو الإغلاق السياسي المفروضة دولياً وإقليمياً.
الثاني عدم قدرة النماذج الدولية في حل النزاعات، وعلى الأخص تلك التي تم تطبيقها بعد الحرب الباردة، إسقاط آلياتها على الوضع السوري لأسباب كثيرة بعضها مرتبط بانتهاء التوازن الدولي الذي أنتج هذه النماذج.
عملياً فإن الجهود الدولية استنفدت طاقتها خلال السنوات السابقة لخلق توازن خاص في سورية، فالمؤتمرات والتقارير واللقاءات وصلت إلى مستوى قياسي، ولكنها لم تحقق أهدافها في إيجاد توازن داخل سورية يسمح بفرض نموذج لحل النزاعات يشابه ما حصل في يوغوسلافيا السابقة أو غيرها من الدول، ونواجه اليوم أكثر من مسألة عجز دولي لأن التحدي السوري عموماً هو في إعادة تلك الدول تقييم تدخلها السابق في سورية، فهي لم تعد تراهن على الأطراف السورية التي شكلتها خلال الأزمة، بل على الداخل السوري الذي باعتقادها سيكرر الاضطراب ولو بعد سنوات نتيجة عملية الإغلاق في الحل السياسي والحصار الاقتصادي الذي سيعرقل أي جهود تنموية.
الرهان الدولي على الداخل السوري سيشكل التحدي القادم، فإذا كانت الأطراف الدولية ترى في القوى المجتمعية والسياسية السورية «ممكنات اضطراب» فإن الدور السوري المُغيب لن يكون في تلك القوى بذاتها إنما بالديناميكيات التي يمكن أن تخلقها لمنع تكرار هذا الاضطراب، وربما بتجاوز الواقع الذي تفرضه بعض الأطراف الدولية، والناجم عن وجود أكثر من خط تماس عسكري أو سياسي داخل سورية، فالمسؤولية السورية تتجاوز الجغرافيا لأنها تتعامل مع طيف سوري موزع دولياً، وممكنات لا تحدها الحالة القسرية الذي فرضتها الحرب على الوطن، بل ظاهرة بشرية لمجال سورية في كل أنحاء العالم.
 
الوطن_مازن بلال

التصنيفات : سياسة

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة