يوميات

أفلاطون

لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات

مضادات الأكسدة.. استخداماتها.. منافعها ومضارها

إشراف: الأستاذ الدكتور رشاد مراد .. أستاذ مساعد في كلية الصيدلة بجامعة دمشق اختصاصي علم الأدوية ونقيب أطباء الأسنان فرع دمشق

إعداد:  رهام ناصر _ بيان الملاح

مضادات الأكسدة

Antioxidants

مقدمة:

تواجه أكثر من ترليون خلية في جسم الإنسان تهديدات هائلة من نقص الغذاء وحتى الإصابة بالفيروسات، مما يجعل الجسم عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطانات. كما يوجد تهديد مستمر آخر، ناجم عن المواد الكيميائية الضارة شديدة التفاعل، والتي يطلق عليها الجذور الحرة Free radicals والتي تمتلك القدرة على إلحاق الضرر بالخلايا والمادة الوراثية.

يولد الجسم الجذور الحرة بشكل طبيعي بعد تحويل الطعام إلى طاقة، كما يوجد البعض الآخر منها في الطعام الذي نتاوله والهواء الذي نتنفسه، أو تتولد بتأثير أشعة الشمس على الجلد والعينين، وبعض العادات اليومية كالتدخين، والتعرض للتلوث والسموم البيئية.

تعد الجذور الحرة الحاوية على الأوكسجين أكثر الأنواع التي تنتج في الأنسجة الحية شيوعاً، ويطلق عليها اسم أنواع الأوكسجين التفاعلية Reactive oxygen species (ROS). تشترك جميع أنواع الجذور الحرة بشراهتها الشديدة للإلكترونات وسرقتها من المركبات القريبة منها، الأمر الذي ينتج عنه تغير شديد في بنية ووظيفة المركب الفاقد للإلكترون.

يُعرف عن الجسم استخدامه لبعض المركبات التي تساعد في إخماد هذه الجذور الحرة تدعى مضادات أكسدة. تعمل هذه المركبات على إزالة الجذور الحرة وتمنع تخريبها للخلايا من خلال توفير الإلكترونات اللازمة للجذور الحرة بدلاً من أخذها من مكونات الجسم لذا يطلق عليها أيضاً اسم كانسات الجذور الحرة Free radicals scavengers.(1)

ثبت تسبب الجذور الحرة بتطور العديد من الحالات الصحية الغير مرغوبة مثل التصلب العصيدي Atherosclerosis، الداء السكري Diabetes، السرطان Cancer، الأمراض القلبية الوعائية وغيرها من الأدواء المزمنة. الشدة التأكسدية عبارة عن ظاهرة خلوية تحدث نتيجة اختلال التوازن بين العوامل المضادة للأكسدة والمؤكسدات (الجذور الحرة) لصالح المؤكسدات.(2)

يوجد نوعان من مضادات الأكسدة، مضادات أكسدة ذاتية (حيوية) يصنعها الجسم، ومضادات أكسدة غذائية نحصل عليها من الفيتامينات والمعادن الموجودة في الغذاء.

مضادات الأكسدة الذاتية(2):

عبارة عن نظام من الأنزيمات تصنف تبعاً لاستجابتها للغزو العام للجذور الحرة إلى خطوط دفاع أولية، ثانوية، ثالثية ورابعية.

  • خط الدفاع الأول من مضادات الأكسدة:

عبارة عن مجموعة من الأنزيمات التي تمنع تشكل الجذور الحرة في الخلية. تكون سريعة جداً في تعديل الجزيئات القادرة على التحول لجذور حرة. هذه الأنزيمات هي: superoxide dismutase، كاتالاز، وغلوتاتيون بيروكسيد. تقوم هذه الأنزيمات على التسلسل بتعديل الأوكسجين الحر إلى ماء أوكسجيني، ثم تفكيك الماء الأوكسجيني والهيدروبيروكسيداز إلى جزيئات غير ضارة. تحوي هذه المجموعة أيضاً بروتينات رابطة للشوارد المعدنية كالترانسفيرين (المخلب للحديد) والسيرولوبلازمين (المخلب للنحاس).

  • خط الدفاع الثاني من مضادات الأكسدة:

يشار لأفراد هذه المجموعة غالباً بكانسات الجذور الحرة scavengers. تقوم بكنس الجذور الحرة لمنع تفعيل السلسلة وتفاعلاتها. تعدل الجذور الحرة من خلال منحها إلكترون، فتتحول هذه العوامل إلى جذور حرة يمكن تعديلها بسهولة بواسطة مضادات أكسدة أخرى من نفس المجموعة. من أفراد هذه المجموعة: فيتامين C (ascorbic acid)، حمض اليوريك، غلوتاتيون، والتي تعبر محبة للماء، وفيتامين E (ألفا توكوفيرول) واليوبيكينول ubiquinol، تعتبر محبة للدسم.

  • خط الدفاع الثالث من مضادات الأكسدة:

تتفعل أفراد هذه المجموعة بعد حدوث الأذية بالجذور الحرة. عبارة عن أنزيمات de novo تصلح الضرر الناجم عن الجذور الحرة وتعيد هيكلة الغشاء الخلوي المتضرر. تصلح هذه الأنزيمات الأذية في جزيئات الـ DNA، البروتينات واللبيدات. تقوم أيضاً بتمييز، تفكيك وإزالة هذه الجزيئات المؤكسَدة والمتخربة لمنع تراكمها وتسببها بأذية لأنسجة الجسم. منها: الأنزيمات المصلحة للـ DNA (polymerases, glycosylases, nucleases)، والأنزيمات الحالة للبروتينات proteolytic (proteinases, proteases, peptidases) والتي تتوضع في سيتوزول وميتوكوندريا خلايا الثدييات.

  • خط الدفاع الرابع من مضادات الأكسدة:

تكمن فعالية أفراد هذه المجموعة بقدرتها على الاستفادة من الإشارات اللازمة لإنتاج الجذور الحرة وقيامها بتفاعلاتها لمنع تشكل وتفاعل هذه الجذور الحرة، بحيث تقوم الإشارة الناتجة عن الجذور الحرة المتشكلة بتحريض تشكل ونقل مضادات أكسدة مناسبة للمكان الهدف.

مضادات الأكسدة الغذائية:(3)

  1. الفيتامينات Vitamines:
  • فيتامين C: يدعى أيضاً حمض الأسكوربيك، من أهم مضادات الأكسدة المنحلة بالماء في السائل الخارج خلوي، يكون قادر على تعديل الجذور الحرة في الطور المائي قبل تعرض الدسم لعملية فوق أكسدة. لذا يمكن اعتباره أحد خطوط الدفاع الأولى في الجسم. لا يستطيع الجسم اختزانه، لذا من الضروري الحصول عليه بشكل منتظم ومستمر من الغذاء. من أهم المصادر الغنية بالفيتامين C: الفواكه الحمضية، الفليفلة الخضراء، البروكلي، الخضار ذات الأوراق الخضراء، الفريز، الملفوف النيئ، والبطاطا.
  • فيتامين E: (توكوفيرول، توكوترينول) مضاد أكسدة أساسي منحل بالدسم يستطيع الجسم اختزانه في السم بالكبد والنسج الأخرى، الأكثر فعالية في تفكيك السلسة في الغشاء الخلوي حيث يحمي الحموض الدسمة في الغشاء من عملية فوق الأكسدة. يولى اهتمام كبير لأغراض عدة تتدرج من قدرته على تأخير الشيخوخة إلى علاج الحروق الشمسية. من المصادر الغنية بفيتامين E: جنين القمح، الجوز، البذور، الحبوب الكاملة، الخضار ذات الأوراق الخضراء، الزيوت النباتية، وزيت كبد السمك.
  • بيتا-كاروتين: (كاروتين، ليكوبن) يعزى للبيتا-كاروتين وغيره من الكاريتينوئيدات قدرتها على حماية الأنسجة الغنية بالدسم من الأكسدة. فمن المعتقد أن البيتا-كاروتين يعمل بشكل تآزري مع فيتامين E. يؤثر الغذاء الفقير بالدسم سلباً على امتصاص البيتا-كاروتين وفيتامين E وغيرها من التغذويات المنحلة بالدسم. يتمثل دور البيتا-كاروتين بحماية الخضار والفواكه ذات اللون الأصفر، البرتقالي، والأخضر الداكن من أذية الأشعة الشمسية. ويؤدي ذات الدور أيضاً في الجسم.

:Phytonutrients.2

عبارة عن مجموعة أخرى من مضادات الأكسدة الغذائية تندرج خلف الفيتامينات التقليدية المذكورة سابقاً، مشتقة من النباتات. تنتشر المركبات الفينولية كالفالافونوئيدات بكثرة في المملكة النباتية. تمنح هذه المركبات حماية للنبات تجاه العديد من الشدات البيئية، بينما لدى الإنسان يكون لهذه المركبات دور “معدلات استجابة بيولوجية”. حيث تملك خواص مضادة للالتهاب، مضادة للحساسية، مضادة للفيروسات، مضادة للشيخوخة، ومضادة للسرطان، تعزى هذه الفوائد العلاجية لفعاليتها المضادة للأكسدة. تكثر هذه المركبات في الخضار والفواكه الطازجة كالتفاح، التوت الأسود، الكرز، الشمام، العنب، الإجاص والفريز.

  1. السيلينيوم Selenium:

يتداخل هذا المعدن مع كل عنصر غذائي مؤثر في التوازن المضاد للأكسدة في الخلية. له دور في حماية الخلية من الأذية المسببة من مشتقات الأوكسجين بالتالي الحماية من السرطان. يفضل الحصول على معدن السيلينيوم من الطعام باعتبار تناوله بكميات كبيرة من المتممات قد يكون سام. من المصادر الجيدة له: سمك، محار، اللحوم الحمراء، بيض، دجاج، والثوم.

  • الآليات المضادة للأكسدة للمركبات المذكورة:(4)
  • ألية وقائية preventive:

تمنع مضادات الأكسدة التي تعمل بهذه الآلية تشكل الجذور الحرة مثل أنزيم الكاتالاز (الحاوي على ذرة حديد) والغلوتاتيون بيروكسيداز (الحاوي على ذرة سيلينيوم) حيث تقوم هذه الأنزيمات بتفكيك الماء الهيدروجيني لمنع تشكل الأوكسجين الحر.

  • كانسات الجذور الحرة scavengers:

تؤمن هذه المركبات الثباتية للجذور الحرة من خلال منحها إلكترون فتتأكسد هي بذاتها وتتحول إلى جذور حرة أكثر ثباتاً. مثل فيتامين E الكانس للبيروكسيل ويتحول إلى جذر توكوفيرول.

  • خالبات المعادن chelators:

بالرغم من أهمية المعادن في الغذاء، قد تحرض تفاعلات الأكسدة. وبما أن شادرتي الحديد Fe والنحاس Cu بإمكانها دعم تشكيل الجذور الحرة أكثر شدة، تبقى مرتبطة ببروتينات ناقلة كالترانسفيرين والسيرولوبلازمين.

  • إخماد الأوكسجين الفعال ROS quenching:

تحول مضادات الأكسدة ذرات الأوكسجين الفعال للشكل الأكثر ثباتاً، فالكاروتينوئيدات وفيتامين E توازن جذور الأوكسجين الأحادي مشكلتاً ماء أوكسجيني أقل تفاعلية.

 مضادات الأكسدة الصنعية المستخدمة في الصناعة الصيدلانية:(5)     

تستخدم مضادات الأكسدة حالياً كسواغات في الأشكال الصيدلانية لتأخير أو تثبيط عملية الأكسدة للمواد العضوية وغير العضوية الداخلة في التركيب. فبعض العوامل الخارجية الفيزيائية كالضوء، الحرارة، والرطوبة قد تحرض أو تسرع حدوث تفاعلات كيميائية غير مرغوبة كالأكسدة مما يؤثر سلباً على ثباتية المحضر. تساعد مضادات الأكسدة أيضاً في تحسين عمر الدواء على الرف shelf life.

تعرف أكسدة الدواء باندماج ذرة أكسجين ببنية الدواء محولةً البنية الكيميائية له لمشتق آخر يملك عدد أقل من الإلكترونات ضعيف الثباتية.

لدى استخدام مضادات الأكسدة في المنتجات الدوائية يجب مراعاة أهمية استخدامها، مأمونيتها، وتوافقها الكيميائي والفيزيائي مع باقي مكونات المنتج ومواد التغليف.

من مضادات الأكسدة الصنعية المستخدمة في الصناعة الصيدلانية:

  • Sodium metabisulfite (SMB)
  • Propyl galate (PG)
  • Butylated hydroxytoluene (BHT)
  • Butylated hydroxyanisole (BHA)
  • Tocopherols, phosphate, Tartaric acid
  • Citric acid, Ascorbic acid, Lecithin

مضادات الأكسدة PG، BHT، BHA عبارة عن مركبات فينولية (polyhydric) تقوم بتأمين إلكترونات أو بروتونات غير مستقرة للجذور الحرة لتعطيل تفاعل السلسلة.

أما بقية المركبات تخضع لأكسدة تفضيلية بسبب امتلاكها تركيبة قابلة للأكسدة والإرجاع redox.

بالرغم من الاستخدام الواسع لمضادات الأكسدة في الصناعة الغذائية والصيدلانية، تترافق هذه المركبات مع العديد من الآثار الجانبية الغير مرغوبة كتهييج السبيل الهضمي، الأورام، والإسهال.

  • طرق قياس فعالية مضادات الأكسدة:(5)

يوجد العديد من الطرق لتحديد فعالية مضادات الأكسدة Antioxidant efficiency منها:

  • Trolox equivalent antioxidant activity assay (TEAC)
  • The oxygen radical absorbance capacity assay (ORAC)
  • The 2,2-diphenyl-1-picrylhydrazyl assay (DPPH)

طريقة الـ DPPH هي الأكثر استخداماً لبساطتها، سرعتها، وقابلية تكرارها.

  • مضادات الأكسدة المسموح استخدامها بالأغذية في سوريا:(6)

حددت هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية مضادات الأكسدة المسموح بها في الأغذية بسوريا والمبينة في الجداول التالية:

هذه الوثيقة مشروع تصويت عرضة للتغيير والتبديل لم يُعتمد بعد من قبل مجلس الإدارة

هذه الوثيقة مشروع تصويت عرضة للتغيير والتبديل لم يُعتمد بعد من قبل مجلس الإدارة

 يبين الجدول التالي المكونات الفعالة في بعض مضادات الأكسدة وآلية عملها:

 

مضادات الأكسدة تسرع من نمو السرطان؟!!(7)

 رغم الضجّة العالمية حول مضادات الأكسدة وعن كونها أمل البشريّة بإطالة عمر الأفراد، فقد يكون لها وجه آخر. لقد وجدت دراسة أجريت مؤخراً على الفئران أن إثنين من مضادات الأكسدة الشائعة، وهما فيتامين  E ومركب يسمى N-acetylcysteine) NAC ،(يسرعان نمو سرطان الرئة بدلا من إيقافه.

لقد كان الاعتقاد الشائع أن فيتامبن E ومضادات الأكسدة الأخرى قد تمنع الجذور الحرة من الإضرار بالمركبات الخلوية – بما فيها. DNA وبما أن ضرر DNA له صلة بالسرطان، فقد سرى الاعتقاد بأن تقليل ضرر DNA قد يمنع او يبطئ المرض. لقد دعمت التجارب على الحيوانات وبعض التجارب السريرية هذا الاعتقاد، ولكن لم تتم دراسة واسعة النطاق بهذا الشأن.

لكن في دراسة أجريت عام 1994 على 29133 ذكر مدخّن، كان معدّل الإصابة بالسرطان أعلى لدى اللذين تناولوا مضادات أكسدة مثل البيتاكاروتين.

وفي دراسة أجريت عام 2005 ،وجد أن %11 من البالغين في الولايات المتحدة قد تناولوا فيتامين E بجرعة 400 وحدة دولية أو أكثر مع العلم أن الجرعة اليومية الموصى بها هي 22 وحدة دولية.

وفي أحدث دراسة بهذا الصدد، نشرت نتائجها في 29/1/2014، تم إعطاء الفئران المصابة بسرطان الرئة جرعات من فيتامين E و NAC تعادل 5 إلى 50 ضعف الجرعة اليومية الموصى بها للفئران، وأظهرت النتائج أن السرطان نمى أسرع بثلاث مرات وعاشت الفئران نصف المدة مقارنة مع الفئران المصابة بنفس المرض والتي لم تتناول مضادات الأكسدة. يبقى السؤال المهمّ: لماذا؟…

عندما يشعر الجسم بحدوث ضرر لل DNA ،فانه يطلق بروتينا يسمى البروتين 53 او P53 اختصاراً، وهو ما يعرف بأسماء مثل مضاد الورم الخلوي او قامع الورم أو حارس الجينوم، وهو الدفاع الطبيعي ضد الأورام.

بينما تقوم مضادات الأكسدة بمنع تضرر DNA ،فإنها تمنع الجسم من استشعار الضرر وبالتالي لا يتم اطلاق

P53 . وهكذا تقوم مضادات الأكسدة بحماية الورم بدلاً من إيقافه. ماذا نفعل؟…

بناءاً على هذه الدراسة، يميل الأطباء الآن للاعتقاد بأن مضادات الأكسدة مفيدة للوقاية من الاصابة بالسرطان، ولكنها مضرة إذا كان الشخص قد أصيب بالمرض بالفعل، فإنها تزيد سرعة نمو الورم وحجمه وخطورته.

لذلك فإنهم يوصون بإيقاف إعطاء مضادات الأكسدة لمرضى السرطان أو الأشخاص المعرضين له كالمدخنين مثلاً.

 

التصنيفات : عيادة صاحبة الجلالة

وسوم المقالة : ,,

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة