من دفتر الوطن.. عبد الفتاح العوض يكتب.. التغابي لعبة الأذكياء

التغابي إحدى الصفات المحمودة في التراث العربي.. تم ربط هذه الصفة بحسن الخلق واعتبرت دلالة على الذكاء وإشارة الى الحلم.

ولعل الكثير منا لا يستطيع أن يتقن «التغابي» فالمسألة ليست سهلة وفي دواخل الإنسان كثير من الدوافع التي تمنعه من التغابي، فليس أي شخص يتمكن من كبح نفسه عن الإعلان عمّا يجول في داخله حول شيء يراه رأي العين أو القلب أو العقل ثم يتصرف على أنه لا يراه ولا يسمعه ولم يفكر به، بل على العكس الكثير منا يقومون «بالتذاكي» ونبش تحليلاتهم ووساوسهم وتفسير أحلامهم على أنها واقع ويتعاملون مع الآخرين على هذا الأساس.

بين المتغابي والمتذاكي مسافة هي ذاتها بين الذكي والغبي.

فالأشخاص الذين يمتلكون مهارات التغابي هم في الواقع يمتلكون قدرات الذكاء وبالتحديد الذكاء الاجتماعي الذي يشكل نسبة كبيرة من أساس النجاح العام.

بينما «المتذاكون» فهؤلاء لديهم غباء غير قابل للعلاج إلا في اللحظة التي يقررون فيها التوقف عن التذاكي، وفي حياتنا اليومية لدينا عشرات الفرص اليومية لممارسة الامتحان والاختيار بين التذاكي و«التغابي» لكن مع تأكيد أنه ليس من السهل الحياة إلا مع كمية وافرة من «التغابي».

ربما الاسم الأنسب أو الأكثر قبولاً للتغابي هو التغافل وكما يقولون «العاقل هو الفطن المتغافل» المعنى الأكثر قرباً من أنك تعرف كل شيء وتبدو كما لو أنك لم تعرف شيئاً تجنباً لمجادلة أو مشكلة أو عداوة.

لكن السؤال الأكثر صعوبة هل يستطيع الإنسان أن يتغافل أو يتغابى عن مشكلاته؟

ثمة من يستطيع أن يتجاهل أو يتغافل عن الألم، وأنتم تعرفون في البوذية مثلاً تحمل الألم يؤدي إلى الصفاء الذهني وكذلك في بعض الجماعات الصوفية يجري تحمل آلام جسدية لا يتحملها الإنسان في الحالات الطبيعية.

لكن يبقى هذا الأمر محدوداً جداً ولا يقدر عليه إلا من يمتلكون قدرات خاصة.

لكن تحمل الضغوط النفسية يعتبر أكثر وضوحاً في إدراك الفوارق الشخصية بين الناس. فهناك من لديهم القدرة على تحمل هذه الضغوط و«التغافل» عنها ووضعها في صندوق محكم الإغلاق، وثمة أشخاص لا يتمكنون من تحمل حد معين من الضغوط النفسية.

ببساطة لا يمكن التجاهل أو التغافل أو إتقان لعبة التغابي في التعامل مع الآلام الشخصية.

يمكنك أن تتجاهل «الآخر» لكن لا يمكن أن تتجاهل عقلك وهو يلح عليك بمعاناتك.

يبدو أن القدرة على التغافل لها علاقة بصفاء الأشياء وبالقضايا الهامشية، لكن لا يستطيع معظمنا أن يتغافل عن الأشياء الرئيسة التي تلمس حياته بشكل مباشر وعميق.

لذلك يبقى التغابي مفيداً جداً في العلاقات الاجتماعية في العمل والمجتمع والمنزل حيث يمكن تجنب الكثير من المشكلات التي تبدأ من مستصغر الشرر ومن التفاصيل المزعجة التي غالباً ما تحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات كبيرة.

آخر ما أقوله: يبقى التغابي ميزة العقلاء.

 

أقوال:

الوحيدون في هذه الدنيا الذين يتحملون ثقل الحياة هم الذين يواجهونها بمزيد من الغباء واللامبالاة!

الذكاء يعزل الأفراد، على حين إن الغباء يجمع الحشود.

لقد حرمت نعمة التغابي فعجزت عن الانضمام إلى قافلة السعداء.

ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي.

 

الوطن

 

التصنيفات : رأي عام

وسوم المقالة : ,

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة