يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

أنا و صوفي و “الثورة” و الدُّب جيفاكو

essam tkroty

د.عصام التكروري..

عزيزتي صوفي:

عندما التقيتُ بكِ في بهو سينما “غراند ريكس ” ـ ذات حياة ـ كنتِ تتلهين به و هو مُعلَّق على حمَّالة مفاتيح غرفتك في ” مونمارتر “،غرفةٌ ما كنتُ لأصبح إحدى مفرداتها لو لم يفلت ذلك الدُّب من الحمَّالة متدحرجاً نحوي ، ناظراً إلي بعينين هما من الرجاء استثناء.

ككل قصص الحب، كان الدُّب أول هدايانا في عيد العشاق ، يومها اتفقنا أن نشترك بشراء دبٍّ واحد ، و نخصص له زاوية في غرفتنا في ” مونمارتر” ، اختلفنا في البداية على اسمه،و لكن بما أن “عمر الشريف” هو من جمعنا في السينما التي كانت تعرض له ” السيد إبراهيم و زهور القرآن ” اتفقنا أن نُطلق على الدُّب اسم  ” الدكتور جيفاكو” ( الفيلم الأشهر لعمر الشريف كما تعرفين ) ، و كلما ازددت ولعاً بكِ ، ازددت حباً ل” د. جيفاكو “، لدرجة أنني أسقطت عنه حرف الدال و رحت أناديه ب “جيفاكو” فقط، يومها ـ و لكي امتص غيظك ـ  أخبرتك أن أبناء بلادي يعبرون عن الولع الشديد بمثل شعبي يقول ” يضرب الدّب وقت بيحب” … و ليتني لم أترجم لكِ ذلك المثل.

و لأنَّ “قصص الهوى متل العصافير” انتهت قصتنا ككل القصص ،  لتبدأ بعدها قصة شقاء  “جيفاكو”، فكلانا رفض الاحتفاظ به ، ليس كُرهاً بالآخر ، بل رغبةً مستترة بأنْ يبقى واحدنا حاضراً في تفاصيل الحياة القادمة للآخر، لذلك كان على ” جيفاكو” أنْ يتنقل مابين “مونمارتر” و ” الشاتله “، صباحاً أجده على باب شقتي مُضرجاً بالصقيع ، و مساءاً تجدينه على إفريز غرفتك مبللاً بالمطر ، شتاءٌ كامل و” جيفاكو ” لم ينمْ تحتَ سقف بسبب البرد الذي أصاب قلبينا لحظة اختلفنا على الموقف من ” الثورة السورية” كما تعرفين ( …..) .

طبعاً لا يهمني اليوم إنْ كنت قد غيرت موقفك منها أم لا (…..) ، لكن ما عرفته من “إيميلك” الأخير (الأول منذ خمس سنين) أنَّ شغفك بالدببة وصل لدرجة انَّكِ تطوعت في حملة لإعادة توطينها في منطقة ( البيرينيه) ، ونجحتِ مع فريقك بإعادة توطين 500 منها ، أنا فعلاً سعيدٌ لنجاحك ، لكن لدي أخبار سيئة لا أستطيع إلا أنْ أخبرك بها ، انتظري صوفي، لا تذهبي بعيداً ، أنا لنْ أطلب منكِ المساعدة لمغادرة بلادي إذ مازلت ـ حتى اللحظة ـ أفضل نذالةَ شريحة من أبناءها على  لقب ” لاجئ سوري ” ( …..)، بصراحة الأمر يتعلق ” بجيفاكو ” ، الدُّب الذي نحمل خطيئته كلانا ، ففي السنوات المنصرمة لم أُخبرك أنَّ أبناء بلادي ينظرون بإزدراء إلى هذا المخلوق لدرجة أنهم ينعتون “بالدُّب” كل “دكتور” لم يرتقِ بعلمه و بنفسه إلى مستوى حرف الدال ، صحيح أنَّ الحرب المشتعلة قد أخذتْ من السوريين أبنائهم و مالهم و ذكرياتهم ، لكنّها لم تسرق منهم قدرتهم على تمييز الأصيل من المُزيف ، العارف من المُدعي، من هنا تجدينهم ينعتون “بالدُّب” شريحة ممن اشتروا حرف الدال من دولة تكثر بها الدّببة ، و كذلك يفعلون مع كل من يطلب من وسائل الإعلام أنْ تضيفَ حرف الدال قبل اسمه مع أنه لم  يتجاوز عتبة البكالوريا أو الليسانس في أحسن الأحوال ، كما و ينعتون “بالدُّب” كل من نال شهادة الدكتوراه و توقف بعدها عن قراءة حتى الجرائد بانتظار أن يستلم منصباً يمارس من خلاله ” دبدبته ”  على من كان “حرف الدال” بالنسبة لهم بداية الطريق إلى ” جُلجُلة المعرفة“.

مسألة أخرى لفتتني في إيميلك الأخير ( أعيد : الأول منذ خمس سنين ) و هي أنّك قررت اعتناق الهندوسية ، و بالتالي ستتوقفين عن تناول لحم الأبقار ، خبرٌ جيدٌ آخر لابد لي من التعليق عليه ، تعليقٌ قد لا يبدو مألوفاً لك لأنَّ ترجمته للفرنسية قد تكون بلا معنى ، لكنه اليوم بات يعني الكثير بالنسبة للسوريين إذ اكتشفوا إلى أي حدّ كان الروائي هاني الراهب محقاً عندما وصف ” الثورة ” بأنها أنثى الثور ليُعبر ـ ربما ـ عن حالة الهيجان التي تميز الثورة (…….) و التي تعقبها حالة دمار ناجمة عن ” الفعل الثوري” الهادف إلى تحقيق الحرية، و هذا يُذكرني بغاندي ـ مُعلمك المُقبل ـ عندما قال ” ما الذي سوف يتغير في حياة الموتى و اليتامى و المُشردين إذا كان الدمار الجنوني قد ارتُكب باسم الاستبداد أو باسم الحرية و الديمقراطية“.

آهٍ منّا نحن معشر البشر، حتى الدببة لا تسلم من شرنا لحظة تُصاب أرواحنا بسباتها الشتوي.

ملاحظة : الفراغات الواردة في النص حذفتها صوفي بنفسها قبل أن توافق على قيامي بنشر الإميل.

التصنيفات : عصام التكروري

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة