يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

ترامب يكتب بحبر كوسوفو

essam tkroty

د.عصام التكروري ..

في مقابلة له مع الصحفي هاريسون سامفير في الثامن من تشرين الأول 2013 قال نعوم تشومسكي “إن موقف الرئيس اوباما من مسألة استخدام السلاح الكيماوي في سوريا هو موقف يشبه إلى حد بعيد موقف زعيم عصابة للمافيا.

 فأوباما .. بحسب تشومسكي أعلن أن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا خط أحمر ، و حينما تم استخدامه أعلن أنه سيهاجم سوريا و يقصفها لاعتقاده أن أوامره قد جرى انتهاكها ، و ليصون مصداقية واشنطن في العالم” ، و بحسب تشومسكي فإن “موقف اوباما  من فكرة المصداقية يشبه موقف زعيم عصابة المافيا الذي يُعلن أن الاتجار بنوع معين من المخدرات يستوجب دفع ” خوّة ” ، و عليه إذا قام احدهم بذلك دون أن يدفع تلك الخوّة فإن العرّاب ـ و دفاعا عن مصداقيته سيقوم بمعاقبته عبر إرسال زبانيته ليقوموا بضربه حتى الموت بصرف النظر عما إذا كان مبلغ الخوّة كبيرا أو صغيرا ، فالمال ليس مهما بالنسبة له ، و إنما المهم هو الحفاظ على مصداقيته من أن تتآكل” . في النهاية يُذكرنا تشومسكي “أن الكثير من الشؤون الدولية يجري التعاطي معها بذات الطريقة من قبل واشنطن و حلفاءها“.

إذا كنا نتفق مع تشومسكي في أن اوباما  مارس ” البلطجة ” في تعاطيه مع ادعاءات استخدام الكيماوي في الغوطة  في 21 آب 2013 من دون أن يفسح المجال أمام القيام بتحقيق جدي يحدد الأطراف التي استخدمته لقتل المدنيين حتى تتم معاقبتهم انتقاما لجريمتهم تلك ، فإن ما صدر عن ترامب قد تجاوز حد البلطجة إلى ارتكاب جريمة عدوان موصوفة، كما أنه  ضرب عرض الحائط بالقرارين 2118 / 2013 و 2235/ 2015 اللذان كانا وليدا التفاهمات الروسية الأمريكية التي أفضت إلى انضمام سوريا في 14 /9/ 2013 إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية  بعد المصادقة على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية ، و قامت بتدمير ترسانتها التزاما منها  بالقرار 2118  الصادر في 27 / 9/ 2013  و ذلك باعتراف الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية حينما أعلن في 19/ 8/ 2014 عن “إتمام تدمير مخزون السلاح الكيماوي السوري الذي تمَّ نقله و بالكامل خارج الأراضي السورية، و تمّت عملية تفكيكه و معالجته على متن سفينة “كايب راي” الأمريكية في عرض البحر المتوسط ،  حيث جرى إتلاف 581 طنا من غاز السارين، وإبطال مفعول نحو 20 طنا من المواد الكيميائية المُستخدمة في صنع غاز الخردل”، و لتوقع سوريا في 11 كانون الأول من عام 2015 اتفاق تعاون  Status of Mission Agreement مع ” آلية التحقيق المشتركة” OPCW-UN Joint Investigative Mechanism التي انشأها القرار 2235 ـ الصادر في 7 آب 2015  و جعل مهمتها جمع الأدلة من أجل محاسبة أي جهة متحاربة في سوريا استخدمت أسلحة كيميائية أو غازات سامة أو حتى غاز الكلور، علما بأن ” آلية التحقيق المشتركة” هذه رفضت  بحجة عدم الاختصاص  التحقيق في 19 حادثة أحالتها إليها الحكومة السورية تتعلق باستخدام الجماعات المسلحة لمواد كيماوية ضد المدنيين و ضد الجيش السوري!

بعد ساعات من انتشار المعلومات عن استخدام السلاح الكيماوي في خان شيخون سارعت الولايات المتحدة و حلفاءها إلى اتهام الجيش السوري بارتكاب هذه المجزرة دون أي تفعيل لآليات التحقيق التي نص عليها القرار الدولي 2235/ 2015 ، و التي تُشكل الضمانة المُثلى لمعاقبة مقترفي هذه الجريمة في حال تولت التحقيق لجنة محايدة و نزيهة، لكن واشنطن و حلفاءها لم يكونوا بهذا الوارد قط، عليه ، ففي الجلسة العاصفة التي شهدها مجلس الأمن في 4 نيسان الجاري اتهموا ـ بدون أي دليل ـ الجيش السوري بتنفيذ الهجوم الكيميائي من الجو،  و تقدموا بمشروع قرار يلزم سوريا بتقديم أسماء قادة أسراب المروحيات التي شاركت في العمليات القتالية ، مع ضمان وصول المحققين الدوليين إلى القواعد الجوية السورية و ليس إلى مكان وقوع الهجوم (!!!)، و لم يقيموا وزنا إلى تقرير الممثل الأممي السامي لشؤون نزع السلاح (كيم وون – سو) الذي تقدم في مطلع الاجتماع بتقرير يؤكد فيه أن الأمم المتحدة لا يمكنها تأكيد تنفيذ الهجوم الكيميائي من الجو ، و بالنتيجة عارضت روسيا مشروع القرار و طلبها إحالة أمر التحقيق إلى اللجنة المشكلة بموجب القرار 2235 ، عندها صرحت سفيرة واشنطن أنه ” إذا فشلت الأمم المتحدة بالعمل بشكل جماعي فإننا نذكر أن تاريخ الولايات المتحدة يشير إلى أننا كنا مجبرين على التحرك بشكل منفرد” ، هذا التصريح أعاد للأذهان حقبة الصراع على كوسوفو ما بين واشنطن و موسكو ( 1997 ـ 1999)، في تلك الحقبة كان الروس يؤكدون على ضرورة أن يظل مجلس الأمن المصدر الأول لتحديد مشروعية استخدام القوة العسكرية والذي يتطلب توافر شرطَين : الأول أن يرى مجلس الأمن أن هناك تهديداً للسلم والأمن الدوليَّين ، والثاني أن يتخذ قرارا يجيز استخدام القوة العسكرية وفقا للآلية المنصوص عليها في  المواد من 39 إلى 50 من الميثاق، و إلا فإننا سنكون أمام جريمة عدوان بحسب القرارات الدولية رقم  2625 / 1970 و 3034 / 1972و 3314 / 1974، لذلك كان الروس مستعدين لاستخدام الفيتو ضد أي عمل عسكري لا يستند إلى دليل يثبت تورط ميلوزفيتش بجرائم حرب في كوسوفو، و عندما عجزت واشنطن و حلفاءها و ” جيش تحرير كوسوفو” عن تقديم هكذا أدلة تحركوا من خارج مجلس الأمن مرتكبين ـ بتاريخ 24 آذار 1999 ـ جريمة عدوان موصوفة بحق يوغسلافيا التي باتت في ذمة التاريخ.

بكتابته بحبر كوسوفو أراد ترامب أن يذكر سوريا و حلفاءها بأن حقبة ” القيادة من الخلف” قد انقضت مع الرئيس اوباما ، و أن حقبته سيكون عنوانها ” القيادة من الداخل” ، و عليه سيكون على روسيا و حلفاءها أن يذكروا ترامب بأنها حقبة يلتسن السكير قد انقضت ، و أن سوريا ليست يوغسلافيا التي تخلى عنها حلفاءها ، و على العالم أجمع أن يستعد لحقبة نتمنى أن تكون اقل رعونة و إجراما مما يوحي به شكل ترامب الذي يريد أن يكون عنوان عهده إخضاع قوة القانون إلى قانون القوة.

التصنيفات : عصام التكروري

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة