يوميات

مفاجآت

فوجئت مؤسسة المعارض بإقبال الناس على مدينة المعارض يوم الجمعة ..وقريبا ستكون مفاجأة محافظة دمشق بقدوم الشتاء كما ستفاجىء وزارة النفط بأن الشتاء بارد … و المواطن سيفاجىء إن حصل غير ذلك!!

لدمشق…سبع قلائد من رماد

essam tkroty

عصام التكروري..

في الحرب… يحدث أنْ تصبح البلادُ مُشوّهةً كأصابع عازف بيانو مُحترف ، مُنتفخةً كشفتيّ زمّار، مُغبرَّةً العينين كمخيماتِ اللجوء، و صراخها جافاً كحليبِ منظمات الإغاثة ، لكنّ دمشق تظلُّ طازجةً كأحلام مشويَّة على جمرِ النراجيلْ، تظلُّ ملونةً كثيابِ مُحدثي النعمة من تجار الحرب ، في الحرب ننتبه إلى أنَّ العالم قد باتَ قريةً صغيرةً تحرسُها الذئاب، و في الحربِ وحدها ننتبه إلى أنَّ الأوطان لا تشبهُ إلا حبيباتنا اللاتي إنْ قصّرنا بالاهتمام بهم، جاءَ الغرباء لينجزوا المهمة …لكن على طريقتهم.

في الحرب … يحدث أنْ تصبحَ دمشقُ حزينةً كسوسَنة ، باردةً كزنزانة ، شهيّةً كما الخطيئة ، مُدهِشةً كتابوتٍ فارغْ، و يحدثُ  أنْ تسقطُ قذيفة هاون على “مئذنة العروس” فيتحسس المسيح موطئ قدمه، و يحدثُ أيضا أنْ تسقطُ قذيفة أخرى بجوار “كنيسة الصليب” فينهضُ “يوحنا المعمدان” و يقيم قداساً لراحة نفوس القتلى في فناء بيته : الجامع الأموي.

في الحرب … يحدثُ أنْ نصبحَ معنيينَ أكثر بتفاصيل دمشق: ياسمينها الضال، شرفاتها المُشرعة على احتمالات التوابيت، حَدْسُ الحَدَأة المعطوبِ لدى ضحايا القنص ، رائحة البارود تُلغّم هوائها ، الحُفرُ الأليفة في شوارعها، الكُحلُ في عيون نسائها ، في الحرب نصبح معنيين أكثر بأيام دمشق العصية على التشابه ، بقسوتها المُشتهاة ساعةَ تقضمُ القلبَ كتفاحة و تتهمنا بأننا من جلبَ السُكَّر لأيامها و لوجنتيها القرمزي، و بعدها تنامُ في كِناسها متوسدةً كسورنا الصديقة.      

في الحرب يحدثُ أنْ يطرأ تبدلٌ طفيفٌ على هواياتِ الصبية فتراهم يجمعونَ فوارغ الرصاص عوضاً عن الطوابع أو النقود القديمة، يطاردونَ لأجلها جنازات الشهداء بدلاً من الفراشات ، يرتجلونَ الحواجز الطيارة  بدلاً من تشييد قلاع الرمل،  في الحرب يحدثُ  أنْ يكره الصبية التُفاح، فيحدث أنْ يتلقَ “نيوتن” رسالة سطّرها صبي بخطٍ رديء :

العَمّ نيوتن …    

التفاحةُ التي أفسَدتْ عليكَ قيلولتكَ

مازالتْ تقُضُّ مضَاجِعَنا ،

لو أنّكَ قضَمتها

ونمتْ

ما قضَمتْ الصَواريخُ فستُق أصابعي “.

في الحرب… يحدثُ أنْ يُطاردنا الندم على حماقاتٍ لم نقترفها بعد، فيحدثُ مثلاً أنْ أرميكِ بحجرٍ فتسيلين من دمي الراكض نحو الخطيئةِ…كمهر، أو أنْ أفتتح “طقوس اللجوء” بتكسير مرايا ذاكرتي بضربةِ جزاءٍ فقط كي أنسى كمْ كنت نقية…و كمْ لوّثتك الحرب،  و يحدثُ ـ كما في كلّ يوم ـ أنْ أُنهي “طقوس اللجوء” بأنْ أرميكِ ـ يا دمشق ـ في نهرٍ، و أرمي نفسي خلفك متيقناً أنَ أيّاً منَّا لا يجيدُ السباحة، و انتحرنا نكايةً بالقَهرْ…!

في الحرب، يحدثُ أنْ تنتهي الحرب، و يحدثُ أيضاً أنْ تصلَ رسالة كتبها جندي لحبيبته يقولُ فيها:  ” تحتَ سماءٍ رماديّة ـ ذات يوم ـ سيعلنون نهاية الحرب،  يومذاك …سأدعوكِ إلى غرفتي، و بقلبٍ يفيضُ حناناً سأنزعُ عنكِ شالَ الحرير،استنشقه بملء رئتيّ ، أمررهُ على وجهكِ الذاهب إلى الينابيع ، يومذاك … سأحملكِ بين ذراعيّ، و أمددكِ على أريكةٍ قربَ نافذة تُطل على الظهيرة ، و أهمس في أذنك الغضّة :” انظري … نورسٌ أبيض في سماءٍ رمادية ..!” ، و بعدها ، سأقدّم لكِ كوباً منَ الكابتشينو الأنيق ، وأحدثكِ عن قهوةِ موحِلة احتسيها بين قصفين جهنميين مع ثلاثة من رفاق السلاح ، أولئك الذين يُراسلون ذات الفتاة: هيلين بائعةُ التذاكر في محطةِ القطارات ، هيلين التي باتت بعيدة اليوم …. بعيدة كنورسٍ أبيض في سماءٍ رمادية. عندما تنتهي الحرب سأقول لكِ ” أحبكِ “، أقولها بفمٍ لم يعدْ مملوءاً بالرمل، و بعينينِ أقلَّ احمراراً، و بذقنٍ حليقة، أقولها… بيدين خاليتين من رائحة البارود و بصدرٍ تفوحُ منه رائحةُ العطر، بصدرٌ يتوق لشفاهك حتى تلامسه ببطءٍ و حذر تماماً كما تلامس أصابع الجندي اللغمَ لحظة تفكيكه، و لكن ما أخشاه ـ يا حبيبة ـ  أن يداهمني الوقت فلا أنبهك ِ إلى أنه هناك … في أعلى الصدر، من جهة اليسار، ثمة حفرة… مجردَ حفرة…عميقة كعينيكِ ، موحلة كقهوة الجنود، دامية و وحيدةٌ … وحيدة كنورسٍ أحمر في سماءٍ رمادية.

في الحرب ، يحدثُ أنْ تنأى الآلهة بنفسها عن عذابات دمشق … يحدثُ أنْ تنكرها ثلاثاً ، و أنْ تتخلى عنها ثلاثاً، و تشبحها ثلاثاً، و يحدثُ أيضا أنْ تكتشف متأخرة أنها حكمت على نفسها بالدفن في رمادها إلى أبد الباكين.

التصنيفات : عصام التكروري

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة