يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

طمرونا تحت أكوام من جهاد المحتوى

رشاد

رشاد كامل ..

الهزيمة لها أشكال، ولكن من أبشع أنواع الهزائم أن يدفعك منافسك إلى حفرة ويطمرك بكوم من السخام، والسخام في اللهجات الدارجة تعريفا هو مزيج من المجاري والقار والزبالة معا، لا تعرف أن تلوثت به كيف تنظف نفسك منه، إن تخلصت من الشحوم، لاحقتك الزيوت، وإن تخلصت منهما لبستك رائحة المجاري، وإن تخلصت من الثالثة أيضاً، كان عليك لزاماً أن تلمّ ما رمي عليك من نفايات (زبالة ندعوها) … فما بالك أن تطمر طمرا بكل تلك التركيبة، فتنخنق تحتها ..!!

هذا هو حالنا اليوم، هزمنا أمام المحتوى المتطرف ….

إن استخدام تعبير الهزيمة بسيط، أمام هول ما نحن مقدمين عليه.

فالفرصة الزمانية التي أتيحت لنا في هذه المنطقة والتي انطلقت من بداية العشرينيات من القرن الماضي، وتأججت مع نجاح وصول عبد الناصر للسلطة، والمدّ القومي وما رافقه من مدّ ثفافي مرافق، انتهى فعلياً بتآكل داخلي أهم أسبابه انعدام رؤية حقيقية لهويتنا الثقافية، واستبدالها بمشروع العروبة، الذي بدوره، لم يستطع ان يبتعد عن مفهوم التحشيد، وإنجاز ثقافة جامعة، تتجاوز الموروث السلفي بأبعاده، وضمناً منها الثقافية.

ومع كل المحاولات الفعلية لإطلاق رافعة ثقافية في الدول العربية التي حملت على عاتقها تلك المهمة ومنها سورية، لم نتجاوز العتبة الحرجة التي كانت لتقود انبثاقنا الثقافي الجديد، تلك العتبة الحرجة، هي كمية المحتوى المطروح ….

انفقنا على الخطابات، الاستراتيجيات، المؤتمرات… ولكن ذلك الانفاق لم يكن يوما من ميزانيات المحتوى، بل من ميزانيات( بروبوغاندا )الدولة نفسها، لذلك حتى تلك (البروبوغاندا) ومفكريها ومثقفيها، تخامدوا مع هشاشة المحتوى وحجمه وكمه المطروح فعلاً، لترجمة إرادة تحويل أمم كانت تمجّد السلف الصالح، إلى أمم تجتمع على ثقافتها الحداثية والإبداعية.

ببساطة لم نكن مستعدين لدفع ثمن المحتوى، لم نكن مستعدين أن نترجم استراتيجياتنا الثقافية إن وجدت، أو حتى أحلامنا الثقافية إلى ما يقابلها من كلف انتاج للمحتوى.

كانت ميزانيات الطباعة عبئاً ، ومكافآت الكتاب والمبدعين والمفكرين، عبئاً .

كلف صحفنا غير السياسية أعباءً هي أول ما يتم خسفه مع أي اهتزاز مالي.

إنهار مثقفونا ومبدعونا إما فقراً أو هجرةً فعلية أو ثقافية….

واخيرا تركنا الكثير من التمويل الابداعي للمساعدات الغربية، فهم مّولوا ، ما يشبههم ، ونحن خسرنا أكثر أن نشبه أنفسنا ثقافياً

وساعد اهتزاز المفهوم الدول القومية الرائدة، عندما تحولت الى أشكال غريبة وبعيدة عن مبادئها في تعميق فشل كل المنظمومة …. فكان مرة أخرى أن المحتوى الجيد على ندرته والذي بزغ في تلك الفترة ، يتم تلبيسه كل ما رافق التجربة السياسية القومية من هزائم خارجية وداخلية، وعنف سلطوي

مع كل هذا المحتوى الضعيف والمتهم ، هم أدركوا ، ان المحتوى لعبتهم … ولعبوها ….

ولم ننتبه الى جهاد المحتوى، هم طبعوا مالم نطبع ، هم استخدموا جيوشاً من المريدين لنقل المنشورات والكتيبات، وبعدها أطلقوا حملات الكاسيت والدعوة عبر المسجلات.

وماكان سرياً في السبعينيات، انتقل ليصبح له محطات إذاعية كاملة ، ومن ثمة هم احتلوا محطاتنا الفضائية، إلى أن وصل الأمر إلى المحتوى الرقمي ، فكانوا جاهزين بجيوش مريديهم لإطلاق جهاد المحتوى الالكتروني .

مئات الالاف من المواقع ، حجوم هائلة من المحتوى الرقمي ليس لها اي مثيل لاي محتوى عربي مماثل. موّلوا تلك المواقع بسخاء، فجهاد المحتوى كان غنياً بالمتطوعين بالعمل وبالمال، وبالترويج .

ظهر لهم أبطال برامج تلفزيونية وعاملوهم كالنجوم

ظهر لهم مطربيهم ومنشديهم ، وأصبحوا محط أحلام الأخوات الملتزمات

احتلوا معارض الكتب، فكانت مجموعاتهم أرخص من أي رواية، وبعض المجموعات الدينية، توزع شبه مجانية، لأنها مدعومة من دول .

تقلصنا وتمددوا ….

أصبحنا وجهاً آخر لثقافة غريبة عن مجتماعتنا ، وهم ازدادوا تعلقاً بالسلف …. وجعلوه شعبياً..

ودخلوا لعبة المحتوى الشعبي التي ترفعنا عنها

واطبقوا علينا ….

وطمرونا

فالتعامل مع المحتوى الشعبي ، أمر يتجاوزنا كلياً ، ونحن من لم نستطع أن نؤمن المحتوى الجيد ، للشرائح التي كانت  أساسا معنا ، ولنا …. فما بالكم بتحدي الموروث الشعبي البسيط.؟

ومهما صرخنا وتألمنا ثقافيا اليوم ، لا تتصوروا أننا سنطوي هزالة خمسين سنة من المحتوى ، بخطبة، أو تحذير، أو استراتيجية ، ولاحتى بميزانية كريمة لسنة ….

إنها حرب …. إما أن ننفق عليها بسخاء الإنفاق على الحروب … كما ينفقون عليها وهم من أطلقوا جهاداً للمحتوى …. واما أن نعلن هزيمتنا

من ناحيتي أنا أعرف أننا هزمنا ….

ولذلك بدأ العالم من حولنا بتحضير نفسه لحصرنا جميعاً ضمن أسوار محتواناً آملين أن يؤدي هذا المحتوى المتطرف ان يفعل فعله فينا …..

هزمنا …. ببساطة

وعندما نهزم ثقافياً ….

يطرح سؤال حقيقي ….

هل كنا أساساً لننجح ؟! مع وجود فئات شعبية حاضنة وبسهولة للمحتوى السلفي، وجهاديين مستعدين للاستماتة من أجله، وقيادات واموال بالمليارات أنفقت عليه ..

نعم كنا لننجح …. والحديث في هذه الفقرة يطول … ولاحق … لأنه أصبح تاريخ …. والسؤال المطروح الآن … هل ممكن أن ننجح الآن ؟!…

اذا ما أعلناها … معركة وجود ومستقبل… ممكن

ولكن … هل تبقى لنا وقت ؟

التصنيفات : رشاد كامل

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة