يوميات

الحلم

‏‎‎‎‎‎‎الأحلام گ الطفولة.. لا تموتٌ وتندثر.. بل تختبئ فينا..

علم الأحياء الدقيقة.. من «لعنة الآلهة والسحر» إلى العلاج بالمضادات الحيوية

ظل «المس الشيطاني» هو التفسير السائد لدى الكثيرين في العصور القديمة حول أسباب العديد من الأمراض، واعتُبرَ أنَّ تمكُّن الكائنات الخارقة -مثل الشياطين والجن- من الإنسان؛ هو ما يدفعه للقيام بسلوكٍ غريب مثل: التفوُّه بعبارات الكفر والإلحاد، والتحدث بلغة لم يكن يعلمها من قبل.

وارتبط علم الأحياء الدقيقة Microbiology منذ قديم الأزل بمثل هذه المعتقدات، وكذلك الأمراض التي تسببها هذه الكائنات مثل البكتيريا والفيروسات والتي لا ترى بالعين المجردة، مثل مرض الجذام وهو عبارة عن تشوُّهات في الجسم ناتجة من تقرُّحاتٍ جلديَّة، وتلفٍ شديد في أعصاب الذراعين والساقين؛ يمكن أن يؤدِّي إلى فقد الإحساس في الأذرع، والأقدام، وضعف العضلات.

مع غياب المعرفة الطبية الواسعة المتوفّرة اليوم، لم يكن يُعتقد بوجود علاج للجذام، ولم يعرف الناس طبيعة المرض سوى أنه يسبِّب تشوُّهات لمدة طويلة، وكان المصابون منبوذين في عائلاتهم ومجتمعاتهم، ويخشاهم الناس خوفًا من العدوى. وقد كان يتم تصنيف المرض عقابًا من الآلهة، أو لعنة تحل بالمريض، ويتولى رجال الدين والكهنة آنذاك مهمة العلاج بدلًا من الأطباء.

 

«فان ليفينهوك».. تاجر القماش الذي اكتشف أول ميكروسكوب ضوئي

يرجع الفضل في ما توصلت إليه البشرية الآن من اكتشافات وأبحاث ترتبط بالكائنات غير المرئية بالعين المجردة إلى العالم الهولندي «أنطوني فان ليفينهوك»، الذي ساعده في ذلك عمله تاجرًا للقماش طوال حياته في مدينة «ديلفت» الهولندية، إذ لعبت فترة تدريبه على العدسات المكبرة -التي كانت تستخدم في تجارة النسيج لحساب كثافة الخيط- دورًا كبيرًا في شغفه بالعدسات الزجاجية، وفحص النسيج تحتها.

وأثناء زيارته إلى لندن في عام 1668، عثر –على الأرجح– على نسخة من كتاب «الفحص المجهري» للعالم الإنجليزي «روبرت هوك» -مكتشف الخلية-، الذي نشره في 1665، وشمل ملاحظاته التي رصدها من خلال العدسات، وكان أكثر الأعمال العلمية مبيعًا إ أثار شغف جمهور كبير للاهتمام بعلم المجاهر الجديد، ومن ضمنهم بالطبع الهولندي «ليفينهوك».

و في عام 1674، سجل أولى ملاحظاته عن الميكروبات بعدما قام بفحص قطعة من القماش في وجود قطرات من المياه، وفوجئ بظهور كائنات حية دقيقة للغاية -عرفت بعد ذلك على أنها البكتيريا-، وأثارت هذه الملاحظات شكوكًا واسعة النطاق في الجمعية الملكية آنذاك، ولكن كُررت التجربة وتأكدت اكتشافاته بعد ذلك؛ ليبدأ بعدها في التوسع أكثر في مجال الفحص المجهري.

في مياه الأمطار لاحظت حشرة حمراء ونوعين آخرين من الكائنات الدقيقة جدًا، وأظن أن 30 ألفًا من هذه الحشرات معًا لن تصل حجمها إلى حبة الرمال الخشنة. *فان ليفينهوك

وخلال فترة السبعينات من القرن السابع عشر، قدَّم الهولندي عددًا من المجاهر البسيطة قاربت 500 مجهرًا ضوئيًّا، كشفت أشكالًا من الأحياء الدقيقة مثل: البكتيريا، والفطريات، والكائنات الأولية -protozoa-، ولم تتوقف اكتشافاته عند هذا الحد؛ إذ أسس علم تشريح النبات، وأصبح خبيرًا في مجال التكاثر الحيواني.

وفي ما يخص الإنسان قدم وصفًا لكرات الدم الحمراء في البلازما، واكتشف الحيوانات المنوية التي تعد من أهم الاكتشافات العلمية في حياته؛ إذ خلصت دراساته إلى استنتاج جديد بأن عملية الإخصاب تحدث عندما تخترق الحيوانات المنوية البويضة.

 

«لويس باستور».. النظرية الجرثومية

في عام 1842، تمكَّن العالم الفرنسي «لويس باستور» من حلّ معضلة علمية استعصت على الباحثين في تلك الحقبة، واستطاع الإجابة عن السؤال: لماذا تتعرض منتجات الألبان، والمشروبات الكحولية عند تركها في الهواء للتخمر؟

اكتشف باستور -بعد عدة تجارب- أن هناك نوعًا من الكائنات الحية الدقيقة، والتي يصعب أن ترى بالعين المجردة هي السبب في عملية تخمُّر المشروبات الكحولية والنبيذ -وهو الحال نفسه بالنسبة للألبان-؛ وأوضح إمكانية التخلص من هذه الكائنات الدقيقة عن طريق التسخين في ما عُرف بعملية «البسترة»، وأثار باستور بذلك تفكير العلماء حول ما تسببه تلك الكائنات -التي عرفت في ما بعد بالبكتيريا- من فساد المشروبات الكحولية؛ وبالتالي إمكانية إصابة شاربي الخمور من البشر بالأمراض.

ولكي يثبت صحة هذه التجارب كان بحاجة لدحض نظرية «التوالد الذاتي» والتي تنص على: «تشكل بعض الكائنات الحية بدون أن تولد أو تنحدر من كائنات مماثلة»، فمثلًا ثمة أنواع من الديدان قد تنشأ من اللحم الميت، أو البراغيث التي قد تنشأ من الغبار، وهكذا.

ولمحاولة فهم ما فعله باستور، دعنا نطرح سؤالًا بسيطًا: لماذا نحفظ اللبن في الثلاجة -في درجات حرارة منخفضة-، وعند تناوله نقوم بالتسخين قُبيل شربه؟ تلك الفكرة هي ما قام به باستور في تجربته لدحض نظرية العلماء المعاصرين له في ذلك الوقت، حيث أحضر زجاجتين ذوات عنق رفيع ممتد، وملأهما بسائل متخمر، ثم قام بغلي الزجاجتين للقضاء على الجراثيم تمامًا، ثم سمح لإحدى الزجاجتين بدخول الهواء المحمل بالجراثيم في حين لم يسمح للأخرى إلا بدخول الهواء فقط.

وكانت النتيجة أنه لم يلاحظ أي أثر من آثار التخمر في الزجاجة الثانية التي عرضها للهواء فقط، في حين ظهرت تلك الآثار في الزجاجة الأولى التي عرضها للهواء والجراثيم معًا. حيث أثبت بذلك بأن الغازات مثل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون لا تقوم بعملية التخمر طالما لم يصاحبها بعض أنواع الجراثيم أو البكتيريا.

ومهدت تلك التجارب الطريق أمام لويس باستور لتقديم نظريته التي عُرفت بـ«النظرية الجرثومية»، والتي تنص على أن الكائنات الدقيقة هي سبب الأمراض المعدية؛ إذ امتدت دراساته النظرية لتشمل تفسير بعض الأمراض مثل الجمرة الخبيثة، والكوليرا، والجدري، والسل.

 

«روبرت كوخ».. اكتشاف أنواع من البكتيريا المسببة للأمراض

باءت محاولات باستور العملية لإثبات صحة «النظرية الجرثومية» بالفشل، لكن لاحقًا استطاع العالم الألماني «روبرت كوخ»، إثبات تلك النظرية عن طريق اكتشاف البكتيريا المسببة لمرض الجمرة الخبيثة (anthrax)، ثم نتيجة لاكتشافه البكتيريا المسببة لمرض السل (tuberculosis)؛ حصل «كوخ» على جائزة نوبل في الطب عام 1905.

واستخدم كوخ نوعًا من البكتيريا السامة يطلق عليها اسم (Bacilli) -والمسببة بالطبع لمرض الجمرة الخبيثة- وقام بزراعتها في مكان ما بظروف خاصة -أطلق عليه بعد ذلك مزرعة بكتيرية-، ويقصد بها مكان تتوافر فيه المواد الغذائية، ودرجات الحرارة المناسبة بشكل يسمح للبكتيريا أن تتكاثر وتزداد في العدد، ثم قام بحقن فئران التجارب بتلك البكتيريا (Bacilli).

وأظهرت النتائج أن تلك البكتيريا تسبب دائمًا مرض الجمرة الخبيثة؛ وفتحت هذه النتائج الباب أمام «كوخ» لوضع مجموعة جديدة من الفرضيات في علم الأحياء الدقيقة عرفت باسم «فرضيات كوخ» (koch’s postulates)، والتي تضمنت احتمالية وجود علاقة بين كائنات دقيقة أخرى من البكتيريا بأمراض أخرى تصيب الإنسان في ذلك الوقت.

وغيرت تلك الفرضيات فهم الكثير من العلماء، وقادت الكثير منهم لاكتشاف أنواع جديدة من البكتيريا المسببة لأمراض أخرى غير التي اكتشفها «كوخ»، خاصةً مع تطور مجال المجاهر الضوئية، واكتشاف أنواع أكثر دقة في فحص الكائنات الدقيقة، والتعرف إليها، إلا أن العقل البشري ظل عاجزًا أمام إيجاد حل لعلاج الإنسان من الأمراض التي تسببها كائنات دقيقة مثل البكتيريا حتى الحرب العالمية الثانية.

 

«ألكسندر فلمنج».. من أرض الحرب إلى إنقاذ البشرية

أثناء الحرب العالمية الأولى، كان ضمن صفوف الجيش البريطاني رجل يُدعى «ألكسندر فلمنج»، التحق بالجيش في أعتاب الحرب، وكان مهمته الرئيسة علاج المصابين بالجروح، والمرضى من الجيش البريطاني، ولاحظ أثناء عمله في تطهير جروح الجنود أن جميع المطهرات الموجودة آنذاك كانت تسبب أذى كبير للجسم، أكثر من ضرر الجروح نفسها؛ فعمل على إيجاد مادة مطهرة لا تسبب أي ضرر للجسم.

واكتشف عام 1922 -بعد الحرب-، مادة «الليسوزيم»، وهي عبارة عن مادة ينتجها الجسم وتعمل على القضاء على أنواع قليلة من البكتيريا دون أن تعرض خلايا الجسم للأذى؛ ولكنها لم تلق اهتمامًا واسعًا لأنها لم تستطع علاج غير أنواع قليلة من الأمراض البكتيرية الخطيرة.

وبعد محاولات عدة خاضها «فلمنج» في تجاربه المعملية، لاحظ تعفن مزرعته البكتيرية عند تعرضها للهواء، ولاحظ أن هذا العفن استطاع القضاء على الكثير من أنواع البكتيريا الضارة، الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقط، بل استمر في تجاربه حتى تمكن من استخراج مادة كيميائية من هذا العفن، ليس لها أية أضرار على الإنسان، أطلق عليها اسم «البنسلين».

وبالرغم من نشر «فلمنج» أبحاثه عن مادة «البنسلين» في إحدى المجلات البريطانية المتخصصة في 1929، والإشارة لفوائد هذا الاكتشاف إلا أن الأنظار لم تلتفت له فعليًّا إلا في 1930، حيث استطاع عالما الكيمياء: «هوارد فلوري» و«أرنست تشين» بجامعة أكسفورد، إعادة تجربة «فلمنج»، وتجربتها على حيوانات التجارب، وأُثبتت صحتها، ثم بعد تجارب عدة استطاعوا استخلاص «البنسلين» النقي، ليخضع ذلك الدواء للتجربة مدة 10 سنوات حتى أثبت فعاليته، واستخدم بشكل رسمي في عام 1941؛ ليحصل الثلاثي «فلمنج»، و«فلوري»، و«تشين» على جائزة نوبل في الطب؛ تقديرًا لجهودهم في اكتشاف الفوائد العلاجية لـ«البنسلين»، والذي أصبح أساس صناعة المضادات الحيوية منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

 

ساسه بوست

التصنيفات : الثقافية

وسوم المقالة : ,,

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة