يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

سرجون الأكادي

الشخصية الأكثر أهمية في التاريخ المشرقي القديم، التي أثرت صفاتها في جميع أديان الشرق أوسطية، فقد استعار العبرانيون قصة مولده وخلقوا منها شخصية موسى، بينما دمجها يعقوب السروجي مع الإسكندر المقدوني ليخلق شخصية ذي القرنين، القصص التي تحولت إلى جزء من تراثنا الشفاهي والمكتوب إلى اليوم، وإذا تركنا لسرجون حق تقديم نفسه؛ فيقول:

«أنا سرجون (شروكين) الملك العظيم، ملك أكاد

أمي الكاهنة من الدرجة العليا

حملت بي وضعتني سرًّا وأخفتني في سلة مقيرة من الحلفاء وغطتها ورمتني في الماء،

فلم يغرقني النهر، بل حملني إلى (آكي) ساقي الماء[1]».

هكذا يعرف شروكين الأكادي نفسه قبل ملوكية أكاد وسومر، فبعد الحرب المريرة بين أوما وكيش وثورة «أور كاجينا» الإصلاحية في «كيش» استطاع «لوكال كازيلي» أمير أوما السيطرة تمامًا على كيش، ولكن حلم هذا الأخير لم يدم طويلاً؛ ليظهر في المدينة سرجون ويطوي صفحته إلى الأبد، وبطريقة يغلب عليها الغموض، يستطيع «سرجون» أن ينهض من أسرة بسيطة كما ورد في الأسطورة السابقة، ويقلب الحكم من داخله كما يحب أن يصور هو أو من خارجها، وبالتحديد من مدينه (أكاد)، كما يرى الدكتور محمد عبد اللطيف محمد[2]، وذلك بعد أن سيطرة «لوكال كازيلي» على «كيش» و«أوروك» ونقل عاصمته هذه الأخيرة، ولا يوجد ما يشير إلى تركيبة الجيش الأكادي ومنشأه، بل أكثر من ذلك، فإن مدينة أكاد غير مكتشفة إلى اليوم.

إلا أن المعطيات التاريخية تنقل إلينا صورة القائد الطموح الذي ملك الجهات الأربع «ومنحه «أنليل» كل المنطقة من البحر العلوي «المتوسط» إلى البحر السفلي «الخليج العربي»[3] فدخل «إبلا» كما أخضع «عيلام» وغسل سيفه في «دلمون» البحرين ولربما دخل مصر أيضًا.

 

بين الوحدة والتوحيد

قد مر أثناء المقالات السابقة أنواع وأشكال الصراعات التي عاشتها سومر مما وقف حائلاً بين توحدها، وفشلت جميع محاولات أمراء مدنها في التوحيد؛ وبالتالي كان «سرجون الكبير» بين خيارين، إما أن يوحد الديانة في إله واحد ويلغي جميع الآلهة، كما فعل الملك المصري أمنحوتب الرابع «إخناتون»، الأمر الذي دفع إلى حنق الكهنة عليه، وبالتالي أدى إلى مصرعه وفشل تجربته التوحيدية، وإما أن يلجأ إلى تجاوز التفاوت اللغوي والتخالف اللاهوتي بناء سلطة زمنية تميل بالمواطنين إلى الولاء لكيان الدولة، ويبدو أن «سرجون» اختار الثانية؛ فمذ أسره لعدوه لوجال كازيلي جاء به مقيدًا إلى مدينة نفر «نيبور»[4] المقدسة، ومن جهة أخرى جعل من ابنته «أنخيدوانا» كبيرة كاهنات الإله القمر «نانا»، ولربما اعتمر القرنين كحفيده «نارام سين» شارات الملوكية التي تقارب في المخيال السومري بين قرني الثور وقرني الهلال «الإله سين».

 

الدين والدولة

فكان على «سرجون الأكادي» اتخاذ إجراءات حاسمه لمأسسة عمل أجهزة الدولة الواحدة تأسيس الجيش الدائم، إلغاء أسوار المدن لمنعها من الانفصال، إلغاء الوراثة في حكم الولايات، توحيد التقويم في البلاد[5]، وإن كان هنا بعض المغالاة فيما ذكره الدكتور فوزي رشيد في استيحاء إجراءات إدارية اتخذها سرجون الكبير نظرًا لنقص النصوص الواردة عن تلك المرحلة التاريخية[6].

وبالتالي خلق الأكادي دولة متحضرة فصل فيها بين الدين والدولة نوعًا ما، فلم تعد تظهر الآلهة تحارب، بل حل مكانها «سرجون» نفسه وبصفته الملكية لا اللاهوتية، واختفت مآثر الآلهة كما كانت تصورها الميثولوجيا في السابق على أن الكون مجمع للآلهة فقط والبشر منفعلون لإراداتهم وحسب، كما أنه لم يطور في المنظومة الدينية بقدر ما طور في أجهزة الدولة ذاتها، وبعث الحياة في كيان المجتمع الرافدي الذي انعكس على المنجز الفني مباشرة، وإن قل ما وصل إلينا؛ فإن هذه الجزئيات على حد تعبير مورتكات «تكفي لتبرز الوضع الجديد الذي احتله الملك ونظام الحكم، وتعطينا فكرة عن النحات الأكادي الذي يكره الأشكال الجامدة التي لا حياة فيها[7]» في إشارة إلى منحوتات عصر «سرجون» التي تصوره في الحرب.

كما ينبغي الإشارة في النهاية إلى أن «سرجون» ورث عن أسلافه السومريين الجنوح للسلم إن لم تحشره الأسباب في ضرورتها، كما تشير قصيدة «ملك الحرب» حين خاض حملة ضد الأمير الحاتي [Hatti 8] «حاتو شيليش» بعد شكوى وصلت إليه من تجار أكاديين، يبدو أن كان لهم حامية على طريق التجارة في مدينة «بور شخندا»، وقد عرقلهم ذاك الأمير عن أعمالهم فسار على رأس جيشه متجشمًا طريقًا وعرًا خطيرًا، ولكن عند وصوله عفا عن الأمير الحاتي، وقد تعهد هذا الأخير بعدم التعرض لمواطنيه في بلاد الأناضول، ومقدمًا عصا الطاعة دون سفك قطرة دماء، من الغريب أن يوجد نص القصيدة آنفة الذكر في تل العمارنة عاصمة إخناتون بعد النظر لتلك المقاربة التي قدمت في بداية الفقرة في الرغبة بتوحيد البلاد، مع ملاحظة أن زوجة هذا الأخير الملكة «نفر تي تي» الشهيرة ليست مصرية، مما يفتح بابًا للشك في أصلها الرافدي، كونها من جاءت بتلك الثقافة إلى إخناتون رغم أنها –أي تلك الأساطير- قد لا تبدو غريبة عن الشرق الأدنى ذي الثقافة المتصلة.

 

ساسه بوست

التصنيفات : الثقافية

وسوم المقالة :

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة