يوميات

الحياة

دوستويفسكي:انها الجحيم..كافكا:انها البدايات..ستيفن هوپكنز:انها الامل..اينشتاين: انها المعرفة..ستيف چوبز:انها الإيمان..راسل:انها المنافسة..شوبنهاور:انها المعاناة.. غاندي:انها الحب..

إلى الهاوية … أسهل

رشاد

رشاد أنور كامل..

اليوم صباحا وصلتني نكتة على الموبايل من أحد الأصدقاء أضحكتني من قلبي، كونها أشبه بحلقة من بقعة ضوء أكثر منها نكتة، وتتحدث النكتة عن ثلاثة سوريين قرروا امتهان الخطف والتشليح، ليكون نصيبهم الأول شاب أوقفوه بسيارته الفارهة، وصعدوا معه يقودهم إلى حيث يريدون اختطافه، ليكتشفوا أنه انتحاري، واسمه أبو القعقاع… والنكتة طبعا لم تنتهي هنا … ولكم أنتم أن تتصوروا حظهم العاثر حتى في عالم الإجرام.

تذكرت نكتة أنا شخصياً حدثت معي في العام 1985 أو 1986 لا أذكر تماما، وعندما كان مشروع دمر جزر شبه مهجورة، كان لنا أقرباء من المثقفين المعترين يسكنون أول تلك الجزر المأهولة والتي كانوا يتناوبون على حراستها من اللصوص والكلاب بدوريات أهلية .

كانت ابنتهم زميلة لي في الجامعة ودعتنا لحفل عيد ميلادها، فما كان مني إلا أن استعرت كالعادة سيارة عمي بيجو 304 ستيشين والتي كان يستخدمها لأعماله في البناء وورش العمار، وكانت سيارة معترة بلا توازن حقيقي، لكنها كانت غزالتنا جميعنا كونها السيارة الوحيدة في العائلة وايضاً كان عمي من الروعة أن يعيرني إياها عندما احتاجها.

واحتجناها في الذهاب إلى مشروع دمر المقطوع، فالعودة منه بعد منتصف الليل بدون سيارة ضرباً من الجنون، فإن لم تأكلك الكلاب، صادفت عمال يسرقون المواد، أو دورية طائشة.

واحتفلنا يومها، ورقصنا، وكان الجو من أرقى ما يمكن، فكل الموجودين إما أقرباء أو أهل وجيران من نفس الرقي ومن نفس المستوى الثقافي الكادح ، الذي يسعى لإسعاد أولاده ، أمام عينيه .

ودقت ساعة العودة وكانت بالتأكيد بعد الواحدة ليلاً ، ونزلت إلى السيارة ادعو أن تشتغل بدون دفشة، وكان معي أخي عمار الذي كان في الحادية عشرة يومها، وانطلقنا بهدوء لنخرج من مشروع دمر، المظلم تماما بشوارعه، ووصلنا إلى أول مفرق قبل الخروج ، لنفاجأ بثلاثة أشخاص يضيؤن لنا بيل بوجهنا، ويطلبون بحركة اليد أن نتوقف، شكلهم دورية، لباسهم بالعتم فيلدات خاكية، ورغم أنها كانت لباس رسمي لكل عامة الشعب، لكنها لثلاثة أشخاص بعد منتصف الليل في مشروع دمر المعتم الحديث الخاوي، هم دورية ، أو هكذا تخيل لي ، أو هكذا تمنيت.

توقفت بتهذيب، لأننا كنا متعودين في الثمانينيات على الدوريات الطيارة، وأصبحنا خبراء في التعامل المهذب والصديق معها. وفتحت الشباك، وقلت لهم: عوافي ياشباب، خير ؟

انتبهت هنا أن لا بواريد معهم، ورائحتهم خلطة من الكحول الرخيص.

قال لي أحدهم، في مجال توصلنا للمفرق؟

السيارة من الخلف فارغة، لا يمكن أن أقول لا… فكرت، ودرست المخاطر أن قلت لهم لا ، وأن اركبتهم معي، وقررت أن ادعوهم للصعود.

وفعلا صعدوا وجلسو في الخلف، وأخي انكمش في مقعده، وجهز نفسه لأي خطر. غمزته، وتابعت أهلا بالشباب … وهذه كانت آخر كلمة نطقت بهذه السيارة …. قبل المغامرة….

أقلعت بهذه السيارة المسكينة بسرعة لم تعهدها مني، ونحن كنا ندللها لمعرفتنا بقدراتها المحدودة، وخاصة أني حرقت محركها يوما فقط لأني سافرت فيها لطفس لزيارة صديق …

وبدأت أزيد السرعة ، وسيارة الستيشين البيجو تهتز مثل الباخرة الصغيرة ، وكان هدفي أن أصل إلى طريق الربوة قبل أن يستطيع أي من هؤلاء الشباب فعل أي شيء بنا ، وقفزت السيارة من على سكة القطار معلنة وصولنا إلى طريق الربوة ، وانعطفت إلى اتجاه الشام ، وكبست السيارة على الصاجة كما يقولون ، وطارت ….

وسيارة كهذه عندما تسرع ، يكون إحساسك بالموت مضاعف، فمن صوت الريح التي تصفر من شبابيك لا تغلق الى محرك يأز ويجعر، إلى عدم توازن عند المنعطفات ….

خطتي كانت بسيطة ، أن اشهروا أي سلاح وهددونا أنا وأخي ، أنا وهم على النهر…. نهر بردى … فالسرعة تعطيني نفس سلاحهم في التهديد …. وهذا ماكان…

أنا أسرع والشباب من الخلف ينكمشون رعباً، أجزم رغم العتم ، أنهم اصفروا..

صاروخ منفلت كنت ….

إلى أن وصلت الى ساحة الأمويين ، ارتاحت اعصابي ، فلن يقوموا هنا بأي تهديد ، أو هكذا خطر لي. وهنا خففت سرعتي قليلاً وسألتهم : وين مشواركم ؟

جاوبني أحدهم وهو حكما منتهي من الرعبة ، لا … لا الله يخليك نزلنا هون …

ضحكت، وقلت له : لا عن جد وين رايحين ؟

جاوبني على العباسيين ….

قلت له خلص نحنا طريقنا لهونيك…

استسلم …

وصلنا ساحة العباسيين ، سألتهم : وين بعدين ؟

أجابني بالكلمة الثانية الوحيدة التي نطقها منذ أن دخل السيارة، ورا الملعب …

وين ورا المعلب ؟ سألتهم … أجابني …

لعمى الشباب طلعوا ساكنين بعدنا بكم بناية

قلت لهم ولك انتو جيراننا ، مابعرفكم

جاوبني من يتكلم منهم وفيه نفس ، أي انتقلنا من كم شهر و اشترينا دكان جنب فلان، وسنفتحها سوبر ماركت ….

ضحكت من قلبي، وقلت لهم ياشباب قولولنا هيك من الأول، خوفتونا منكم ، خليتوني سوق متل الطيارة.

ابتسم بشكل صفرواي ، وجاوبني: ليش أنت تركت فينا حيل على هالسواقة طيرتلنا كل شي شربناه من الرعبة …

وضحكنا واعتذرنا من بعض

وأصبح هؤلاء الشباب بعدها مزودنا الأول للسمانة وأغراض التهريب من الغذائيات لعشر سنوات قادمة ….

ونذكر بعضنا كل فترة بهذه الرحلة

هذه الرحلة التي كانت كلها شكوك

وكلها سوء تفاهم ، سببه الظن والأجواء المحيطة

ربما بمدينة مضاءة، وأجواء أمان ، ماكانت لتحدث

وربما لو تصرف أحدهم بشكل خاطئ لمتنا جميعا من خطتي بالتوجه إلى الهاوية معا … فإما أن نتراجع معا أو نتأذى معاً ….

سورية تخوض تجربة مشابهة

تجربة قيادة بلد يشبه سيارة عمي ، جيد ، لكن ليس في الأزمات ، ومع ذلك نقوده إلى أن نموت معا أو نقف ونسأل …

هل فعلاً من هو معنا عدو …

أم أنه جارنا … ولم ندري

التصنيفات : رشاد كامل

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة