يوميات

النقطة

الفرق بين العرب والغرب النقطة،فهم غرب ونحن عرب،هم شعب يختار ونحن شعب يحتار،هم تحالفوا والعرب تخالفوا،هم وصلوا للحصانة ونحن ما نزال بمستوى الحضانة،هم تعلموا بالأقلام ونحن تعلمنا بالأفلام،حكاية النقطة مثيرة..هناك من يجرحك بأخلاقه وهناك من يُحرجك بأخلاقه،والفرق نقطة أيضا

الحدود في الإسلام فيها جلد وقطع يد والعين بالعين..فهل يمكن الدفاع عنها في هذا العصر ؟

صاحبة الجلالة _ وسام النمر

 السارق إذا تاب سيقت يده إلى الجنة .

الذي يهاجم الإسلام في تشريع العقوبات فهو يهاجم الأديان السابقة

الإسلام ليس بحاجة للدفاع عن تشريعاته السمحة إنما نحن من بحاجة لوسطية الإسلام وعدالته الرحيمة ونظامه الإنساني العالمي , وللإجابة عن هذا السؤال كان لصاحبة الجلالة حديث خاص مع الأستاذ الدكتور محمد حسان عوض – رئيس قسم الأحوال الشخصية بكليتي الحقوق والشريعة في جامعة دمشق وأستاذ في مَجْمَع الفتح الإسلامي , قائلاً : الحدود في الإسلام جزء من نظام إلهي كامل أنزله رب العالمين على خاتم رسله صلى اللّه عليه وسلم ليكون نظاما يكفل لمن اتبعه السعادة والأمان والاستقرار إلى قيام الساعة قال تعالى : {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} .

والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة بين الناس ولا يتخذها الوسيلة الوحيدة لذلك، إنما يعمل على الوقاية من الجريمة ومحاربتها بالضمير الوازع، والنفس المهذبة، والسلوك المستقيم، وتوفير أسباب الحياة النظيفة لكل الناس، فمن ارتضى هذه الأسباب واتخذها منهج حياته ارتقى وعز بالإسلام. وسعد بالمجتمع، وسعد به مجتمعه، ومن هجر هذه الأسباب ونفر منها وسعى في الأرض فساداً، دون رادع من خلق أو وازع من ضمير, فهو كمن يتمرغ في الوحل ، وحق للإسلام أن ينزل به عقابه ليحمى الناس من شروره، ويوفر للمجتمع أمنه واستقراره.

كما أن الإسلام لم يرصد عقوبة دنيوية لكل انحراف أو معصية، بل إن هناك كثيراً من الانحرافات والمحرمات، اكتفى الإسلام فيها بأن أنذر مرتكبيها بغضب الله وعقابه، وترك تقدير عقابهم الدنيوي للقاضي حسبما يراه كافياً في التأديب والتعزير، ويتلاءم مع أثر المخالفة في المجتمع وذلك مثل الكذب، والرياء، وأكل الربا، وشهادة الزور، وخيانة الأمانات، وأكل الميتة، والمحرمات، والغش في المعاملات. والتطفيف في الكيل والميزان. وعقوق الوالدين. والغيبة والنميمة. الخ..

أما الجرائم التي أرصد لها الإسلام حدوداً معينة فهي جرائم محدودة بعضها جاء به القرآن الكريم، وبعضها الآخر ورد في السنة وهى.. السرقة، الزنا، القذف، شرب الخمر، الردة، البغي، الحرابة (وهى التي تسمى بقطع الطريق)، ثم جريمة قتل العمد، والقتل شبه العمد والقتل الخطأ، والعقوبة المقررة للجرائم السبعة الأولى تسمى حدًّا، بمعنى أن العقوبة المقررة فيها هي حق اللّه تعالى.

والعقوبات المقررة في الإسلام عقوبات ملائمة للجرائم المرصودة لها، وقد شرعت على أساس محاربة الدوافع الخاصة بكل جريمة، فهي في الزنا الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن وتغريب عام، وهي في السرقة القطع، وفي القذف والشرب الجلد، وهى في الحرابة وقطع الطريق كما قال سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} , وهي في البغي القتل، وهي في القتل والجرح العمد القصاص، وفي القتل الخطأ الدية. وعلة التشديد في هذه الجرائم بالذات أنها من الخطورة بمكان، والتساهل فيها يؤدى إلى انهيار الأخلاق، وفساد المجتمعات، إذ هي جرائم رئيسية تتصل بالحياة العامة ولا يقتصر ضررها على مرتكبيها فقط، ولكنه يتعدى إلى الأفراد والجماعات.

ويؤكد الدكتور حسان قائلاً :

–     القتل العمد عدوان على الحياة التي اختص اللّه وحده بمنحها للإنسان، فهو عدوان على حق اللّه، زِد على ذلك ما يترتب على هذه الجريمة من الاستهانة بحرمة الدماء، وتأريث الأحقاد والعداوات، وإشاعة الفتن والذعر بين الناس؛ ولذلك كان قتل نفس واحدة بمثابة عدوان على البشرية كلها {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} ، وكان قتل النفس عمداً هو الجرم الذي لا يكفر عنه دية ولا عتق رقبة {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} ، وكان القصاص هو الجزاء العادل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

–     وجريمة الزنا تشيع الفوضى الجنسية وتظهر الشخص منتكساً قذراً ، وما يترتب على ذلك من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد بنيان الأسرة والذرية.. وفي السرقة عدوان على أموال الناس، وحرمانهم من الاستمتاع بأمنهم وأموالهم اللذين من حقهم أن يستمتعوا بهما.. وقطع الطريق فيه ترويع للآمنين والاعتداء على أموال الناس ودمائهم، بشكل جماعي أشبه ما يكون بالعصابات المسلحة التي تستهين بالإنسان وما يملكه الإنسان.

–     والقذف فيه تجريح للأعراض، وتلويث للسمعة، وإشاعة للسوء والشكوك في جو الأسر، وتلك حالات تهدد البيوت بالانهيار.

–     وفي شرب الخمر- أم الخبائث سلب للعقل أشرف ما وهب الله الإنسان وميزه به عن الحيوان – كما أنها تعرض شاربها للعربدة والتعدي على حرمات الناس، وتحطم قوى الشباب، وتضر بنفوسهم وعقولهم وجسومهم، وكم شرح الأطباء ما لها من ضرر جسيم على النفس والجسم، وأجمعوا على ضرها البالغ وأثرها السيئ على الأمة في دينها ورجالها وأخلاقها.

–     وفي الردة كفر بالإسلام ونظامه، وتجريحٍ له واستهانة به، وخروج على نظام الجماعة المسلمة، ذلك أن الإسلام عقيدة وشريعة، أو دين ودولة، فالخارج عن الإسلام أقل ما يوصف به أنه خارج على نظام الدولة، وهو يشبه في أيامنا هذه جريمة الخيانة العظمى، وعقوبتها الإعدام، يقول الأستاذ علال الفاسي: “وقع إجماع المسلمين منذ إنشاء المذاهب الفقهية على عقوبة المرتد عقابا له على كونه لم يعد مسلما، إنما يعتبرون ذلك نتيجة خيانته للملة الإسلامية التي انخرط في عداد أفرادها ثم غدرها فلو ستر كفره لم يتعرض له أحد، كما كان يقع للمنافقين”.

–     أما ما عدا هذه الجرائم من مخالفات، فقد ترك التصرف بشأنه لولي الأمر فيؤدب المخطئ عن طريق ما يسمى في الفقه الإسلامي بالتعزير، والتعزير: التأديب, هو عقوبة لم تحدد الشريعة مقدارها، وتركت للقاضي التقدير الملائم لنوع الجريمة ولحال المجرم وسوابقه.. ولقد أعطى الشارع قاضي المسلمين صلاحية فرض العقوبة المناسبة والتي يراها كفيلة بتأديب الجاني وإصلاحه، وحماية الجماعة وصيانتها وهى تبدأ بالزجر والنصح، وتتراوح بينهما الحبس، والنفي والتوبيخ، والغرامات المالية، ومصادرة أدوات الجريمة. والحرمان من تولي الوظائف العامة، ومن أداء الشهادة.. الخ.. وقد تصل إلى أشد العقوبات كالحبس والجلد والقتل وذلك في الجرائم الخطيرة، كالتجسس لحساب العدو مثلاً، أو معتاد الجرائم الخطيرة.

ويشير الدكتور حسان إلى أنه لا يزال البعض يتحرج من إقامة حدود الإسلام، ويصفها بالقسوة والشدة، وعدم مسايرتها لروح العصر الذي ارتقت فيه المدارك والطباع الإنسانية، ولكن يبدو أن هؤلاء يجهلون فقه الحدود الإسلامية، وحكمتها، ولا يعرفون متى تقام ومتى لا تقام، ومتى يؤخذ بتلابيب المجرم , موضحاً :

الذي شرع الحدود، وحدد العقوبات هو عالم الغيب ، الخبير بمسالك النفوس ودروبها، العليم بما يصلحها ويقومها {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} , إذا كان الأمر كذلك فتشريع الله لعباده أمراً أو نهياً، حكماً أوْحَدّاً بعيد عن كل معاني النقص والقصور, والمبالغة والهوى، وغير ذلك من صفات الجهل والعجز التي يتصف بها البشر وتتسم بها مناهجهم، وإذا كانت الحدود من تشريع اللّه، فإن اللّه أرأف بعباده وأرحم مما يظن القاصرون، وهو أخبر بما يصلح حياتهم ويهذب طباعهم، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة الحدود، وشدة العقوبات، لأنه ليس أبصر بمصلحة الخلق, وأرحم بهم من خالقهم .

والمتأمل في تشريع الحدود يجد أن علاج النفس الإنسانية بها يتسم بالحكمة والرحمة :

أما الحكمة فتتجلى في أن لكل جرم حداً معيناً، ولكل مخالفة عقوبة خاصة دون غلو أو زيادة, ودون مبالغة أو إفراط، بحيث تلحظ أن الشارع قد سار في هذه الأمور كما سار في غيرها, على أدق المقاييس، وأعدلها، فالذي يريد أن يستمتع بنشوة اللذة عليه أن يتوقع أنه سيذوق من الألم أشده.. والذي يريد الثراء من كسب غيره يعامل بنقيض مقصوده ،  وتقطع منه أداة كسبه.. والذي يريد أن يحقر غيره بالقذف سيجد التحقير من الجماعة كلها، فتسقط شهادته، ويمشي بينهم لا يوثق له بكلام.

وهكذا.. وهكذا.. ناسبت كل عقوبة جريمتها، ووضعت على أساس محاربة الدوافع التي تدفع إليها كل جريمة، فهي لم توضع اعتباطاً، وإنما وضعت على أساس طبيعة الإنسان وفهم لنفسيته وعقله. ولهذا كانت العقوبة في الشريعة الإسلامية قائمة على واقعية علمية فنية تامة الضبط والإحكام، لأنه مما لا شك فيه أن العقوبة التي تقوم على أساس العلم بالطبيعة البشرية، وفهم نفسية المجرم هي العقوبة التي يكتب لها النجاح. لأنها تحارب الإجرام في نفس الفرد وداخله، قبل أن تحاربه في حسه وظاهره، الأمر الذي يجعل الشخص يبتعد حتى عن مجرد التفكير في اقتراف المنكر.

وأما أنها رحمة.. فهي كذلك بالنسبة للمنحرف ذاته، وبالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه..

أما بالنسبة للمجتمع فذلك ظاهر لما تجلبه له من شيوع الأمن والحماية الأموال والدماء! وبما تدفعه عنه من أذى العدوان والترويع.

فإذا أرخص الإسلام دم قاتل، فلكي يحقن ألوف الدماء ويحيط الجماعة كلها بما يحفظ عليها حياتها وأمنها {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} , أي حياة هادئة مطمئنة لا بغي فيها ولا عدوان..

زد على ذلك ما في إقامة الحدود من بركات تعم المجتمع بأسره، وفي الحديث: “حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً , وفي رواية “أربعين ليلة”.

أما أن الحدود رحمة بالمعتدي فيتجلى ذلك في مغفرة اللّه ورحمته التي تحوطه بعد إقامة الحد عليه, فالحدود كفارات للآثام وجابرة لها، تغسل أثرها وتمحو ذنبها، وكون الحدود جابرة  لا ينفي أنها زواجر كذلك, وفي حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن ماعز: “لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم” رواه الخمسة

كما جاء في السنة: “من أصاب في الدنيا ذنباً، فعوقب به فاللّه أعدل من أن يثني على عبده العقوبة”.

وروي أن “السارق إذا تاب سيقت يده إلى الجنة وإن لم يتب سيقت يده إلى النار”

فالحد أشبه بجرعة من الدواء الكريه يشربها الإنسان ليحصل بعد ذلك على الراحة، وفي الحديث: “من أصاب منكم حدا فعجلت له عقوبته فهو كفارته” ابن ماجة.

ولا يرى الإسلام العقوبة غاية في ذاتها، ولكنه يراها وسيلة  ضمن وسائل كثيرة أخرى  لتقويم النفس الإنسانية وكفها عن الانحراف, ولذلك فإن الإسلام لا يتربص بالمجرم لكي يوقع عليه العقاب، ولا ينتظر عثرة العاثر ليبطش به أو ينتقم منه، إنه طالماً نصح بالستر عليه لعله يتوب أو يستغفر،

دليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “تعافوا الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب” .

وعنه صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى اللّه عز وجل عنها فمن ألم فليستتر بستر اللّه عز وجل، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد” .

وقال عليه الصلاة والسلام: “من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة”.

ويوضح الدكتور حسان أن الإسلام يكره أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا حتى لا تُجرح الأعراض , ويلوث جَوَّها بالقيل والقال.. ولما جاء الصحابي ماعز إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لهزال – رجل حرضه على الإقرار: “لو سترته بثوبك كان خير لك”.

ويُروى أن ماعزاً مرّ على عمر قبل أن يقر فقال له عمر: “أأخبرت أحدا قبلي”، قال: “لا”. قال: “فاذهب فاستتر بستر الله تعالى وتب إلى اللّه، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، والله تعالى يغير ولا يعير، فتب إلى الله تعالى ولا تخبر به أحدا”. وذهب إلى أبى بكر فقال مثل ما قال عمر، ثم ذهب إلى هذا الرجل الذي لامه النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره بما أقر به .

مؤكداً على أن هذا يدل على أن الجريمة إذا ارتكبت في غير إعلان ينبغي سترها وعدم كشفها, و إذا ضبط الجاني وجيء به إلى القاضي هل يقام عليه الحد فوراً ؟… لا.. إنه يدرأ ما إن كان هناك مخرج منه , لقوله صلى اللّه عليه وسلم: ” ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله, فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة” .

فحين توجد أي شبهة، فمبدأ الإسلام هنا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم : “ادرؤوا الحدود بالشبهات” البيهقي والدار قطني..

ولذلك يقول عمر بن الخطاب: “لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى أن أقيمها بالشبهات”

ولهذا لم يقطع عام الرمادة عندما انتشرت المجاعة ، ولم يقطع كذلك عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة رجل من مزينة بعد أن تبين أن سيدهم يجيعهم، وغرم السيد ضعف ثمن الناقة تأديباً له.

ولعل القصد من وراء الأخذ بمبدأ الشبهة التي تدرأ الحد هو التقليل من العقوبات ما أمكن, إذ القليل منها كاف في الزجر والتخويف.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء من أنه لا قطع إذا كان السارق والداً أو زوجاً , أو كان في ظروف مجاعة, وبالنسبة للقذف قالوا لا حد بالتعريض، وبالنسبة للزنا قالوا لا حد إذا لم يصرح الشهود أو المقر بالعبارات الدالة عليه من غير احتمال ..

يتابع الدكتور حسان حديثه قائلاً : التضييق في الحدود أمر محبب في الإسلام حتى يكون العقاب قليلا مانعاً بدل أن يكون عاماً جامعاً , على أن الفقهاء وإن كانوا اتفقوا على أن الشبهات تدرأ الحدود، إلا أنهم لم يتفقوا على كل الشبهات، فما يراه البعض شبهة صالحة للدرء قد لا يراه الآخرون كذلك، وتلك أمور كلها من مصلحة المتهم، ومن أمثلة ذلك أن كل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو المتزوجة أو المعتدة أو المطلقة ثلاثاً يدرأ فيه أبو حنيفة الحد ولو كان الجاني عالما بالتحريم لأن العقد في رأي أبي حنيفة شبهة والشبهة تدرأ الحد ، ولا يرى مالك والشافعي وأحمد درء الحد في هذه الحالات, لأنهم لا يعتبرون العقد شبهة.

كما أن الإسلام يوفر الضمانات الكاملة والكافية لكل متهم، حتى لا يؤخذ بغير دليل ثابت ولذلك كان من المبادئ المقررة في الشريعة أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب جريمته، فإن كان هناك شك في ارتكاب الجاني لجريمته، ولم تتقرر بالنسبة له أدلة الإثبات وجب العفو عنه ، وأصل ذلك المبدأ قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : “إن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

ومن جهة أخرى نجد أن أدلة الإثبات التي قررتها الشريعة في الحدود دقيقة قلما ثبتت إلا على محترفي الإجرام.. فهي في الزنا مثلاً الإقرار أو أربعة شهود رجالاً يقرون برؤية الفعل، فإذا لم يتكامل العدد أربعة وأصر واحد أو اثنان أو ثلاثة على قولهم اعتبر من أصر قاذفاً ويحد حد القذف وذلك لقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } .

توبة الجاني كما يقول الدكتور حسان :

ذهب بعض العلماء إلى أن توبة الجاني تسقط الحد عنه وتكون سبباً للتجاوز عنه وإخلاء سبيله, واستدل هؤلاء بقوله تعالى بعد آية المحاربة {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم, فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته، كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، وأنَّ القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة، وذلك قوله تعالى {وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا}, وذكر القرآن حدّ السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} , لكنه إذا أخذ بهذا الرأي الذي يسقط الحد بالتوبة فإنه ينبغي أن يراعى التالي :

– أن يكون ذلك فيما يتعلق بحق اللّه تعالى كشرب الخمر مثلاً ولا يكون مما يمس حق الأفراد، كالقتل أو الضرب، فلا بد في ذلك من عفو أصحابهما.

– أن تكون تلك التوبة عن الجريمة الأولى، فإذا عاد إلى انحرافه مرة أخرى وضبط وادعى التوبة، فينبغي أن يعاد النظر في قبول توبته حتى لا يتعطل القضاء، أو يستهين بحدود الله تعالى، فقد يكون كاذباً قد خدع القضاء بها أولاً فلا يخدعه ثانياً, لأن فعله هذا يثبت أن التوبة الأولى لم تكن صحيحة, لأن شرط التوبة الصحيحة، التي تقبل الغفران ألا يقع الشخص في الفعل الذي تاب منه مرة أخرى، ولا شك أن الثانية من نوع الأولى ولا فرق بينهما، ثم إن النفس إذا تمرست بالمعصية أحاطت بها واستولت عليها، ولذلك قال اللّه تعالى {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

الحدود عند اليهود والمسيحيين :

هنا يؤكد الدكتور حسان أن الكثير من هذه العقوبات منصوص عليها في التوراة وصدق عليها الإنجيل لأن ما لا نص عليه في الإنجيل بالمنع أو الإباحة تتبع به نصوص التوراة، لأن سيدنا عيسى عليه السلام قال: “ما جئت لألغي الناموس بل جئت لأحيي الناموس”,  وفي سفري الخروج والتثنية أمثلة على عقوبات القتل والغدر والضرب وسائر أنواع القصاص ، فالذي يهاجم الإسلام من الأوربيين في تشريع العقوبات فهو يهاجم الأديان السابقة .

كيف نجيب من  يشوه الإسلام بقوله : الحدود لا تناسب أذواق العصر ومداركه ..

ينهي الدكتور حسان حديثه قائلاً : مصداق هذا الادعاء ألاّ توجد أسبابه ، فلا توجد السرقة التي أوجبت عقوبتها، ولا يوجد الزنا الذي أوجب عقوبته ..وهكذا.. لكن الجرائم مازالت قائمة ، وقد تعددت أسبابها، وتفتحت أبوابها، وتفننت العقول في طرائقها، وتصفّح أي جريدة في أي بلد في العالم تجدها لا تخلو من جرائم السرقة والقتل والنصب والاختلاس ,حتى صار الشخص لا يأمن على نفسه وماله في كثير من بلدان العالم .

 

 

 

التصنيفات : أسئلة محرجة وأجوبة صريحة

وسوم المقالة :

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة