يوميات

الحلم

‏‎‎‎‎‎‎الأحلام گ الطفولة.. لا تموتٌ وتندثر.. بل تختبئ فينا..

في غياهب البيروقراطية،البقاء ليس للأقوى..والراتب المنخفض سلاحهم للبقاء ..

رشاد أنور كامل ..

في التطور الطبيعي للكائنات الحية، البقاء يفترض أنه للأقوى، هذا القانون الطبيعي الصارم، أوصلنا جميعاً نحن الاحياء على هذه الارض الى التشبث بالحياة بشكلها القاسي ظاهرياً، المنتج فعلياً ، فكل الكائنات طورت مهارتها للبقاء، وللدفاع عن انفسها، ولايجاد مصادر الزرق، وفعليا نحن نقتات على بعض ضمن دورة طبيعية، لم يكسرها الا البشر، وحديثاً جدا.

فالبشر طوروا سلاحاً للبقاء غير مسبوق في الطبيعة وهو الوعي الذكي ، ومنه استنبطوا الادوات ، وسيطروا على أهم مكونات الطبيعة وهي النار، ومن ثم طوعوا الطبيعة عبر الزراعة والتدجين، وخلال المئة الف سنة الماضية ، فعلياً غيروا وجه الكرة الارضية بشكل شبه تام .

وبقي الصراع بين الافراد ، والجماعات ، ومن ثم الأمم ، والامبراطوريات، قائماً، الى ان خرق البشر، قاعدة الطبيعة البقاء للأقوى ضمن مسارين ، الأول المسار الطبي ، والذي تجاوز فيه البشر الكثير من الامراض التي كانت تفتك بالجملة جماعات منهم ، مما اعطى فرصة كبيرة للحياة لمن كان من 300 سنة مضت لايمكنه الصمود جينياً أمام الامراض ، والمسار الثاني هو البيروقراطية … نعم البيروقراطية ..

عندما اسس البشر المؤسسات الكبرى، مثل الحكومة، والشركات الكبرى ، لم يكن في حسبان هذا التطور أن من سيحتل قاعدته الهرمية ووسطه وحتى احيانا رأس هرمه هم ممن استطاعوا أن ينجوا من صراع الاقوياء فيها.

من عمل في تلك المؤسسات الكبيرة الحكومية والأممية، والشركات العابرة للقارات الكبرى، يعلم سمة التشابه فيها ، واهم تلك السمات، الرغبة في ابقاء الامور على ما هي عليه، وممانعة التغيير، وبطئ الاجراءات.

وخلال السنوات المئة الماضية حاول الكثير من المفكرين والعلماء، والقادة، ومطوري الاعمال ، أن يصلحوا تلك المؤسسات العملاقة، وأن يضعوا القواعد لعملية اصلاحها، ولم يحققوا الكثير، بل حتى انهم اخفقوا في الكثير من تلك المبادرات الاصلاحية.

ومع دخول عصر الحاسب، والشبكات الحاسوبية المتصلة حول العالم، والانترنت، ارتفع مرة أخرى الامل في انتاج مؤسسات عملاقة منتجة، فاعلة ، ذكية، مرنه ، وبعد ثلاثين عاماً على هذه التجربة ، وصلوا الى أن افضل حل هو تقديم الخدمات الياً ، وابعاد الناس وخدماتهم المرتبطة بتلك المؤسسات الكبيرة ما امكن عن قرار موظفيها والتعامل معهم.

والدول الاكثر نجاحاً في تجاوز البيروقراطية، هي الدول التي قررت تفكيك اكبر تلك المؤسسات فيها (اي الحكومة)، وحصر دورها بالقيادة عبر التشريعات، واعطاء حق اعادة بيع وتقديم الخدمات الحكومية، الى القطاع الخاص بدكاكينه الصغيرة … ونجحت التجربة .

ومع ذلك هم لم يطوروا تلك المؤسسات او يصلحوها، بل فككوها … واعادوها الى الناس ، لا بمفهوم الخصخصة ، انما بمفهوم آخر، مفهوم الادارة الاهلية لتلك الخدمات.

كيف وصلنا الى هذا القرار، قرار الانسحاب من عملية الاستفادة من المؤسسات العملاقة ، والتي من المفترض أنها الاجدر والاقوى ، والاكثر تماسكاً، وأمننا للمستقبل الوظيفي ، كيف قرر العالم أن الاصلاح الحقيقي لها بتفتيتها .

سأروي لكم قصة حقيقية ، في احدى الانتخابات النقابية في سورية منذ سنوات ، وانا تابعتها، تنافس على مجلسها التنفيذي الكثير من الفطاحل في الاختصاص ، والمدعومين، والمتنفذين ، وبالجملة تم اقحام مجموعة من اللااا أحد من حيث القيمة النقابية ولا حتى العملية. اشخاص، تم جلبهم الى حلبة التنافس من قبل المتنافسين الكبار، كسد أمام امكانية أن يوضع احد منافسيهم في قوائمهم لضرورة اكتمالها (اي القائمة)، فكان كل من هؤلاء المتنافسين الكبار يطبع لائحته والتي تضمه هو وجماعته من هم تحت يده ويضمنهم ، وعند الانتخابات ومع التجييش الانتخابي عمد كل فريق متنافس الى شطب اسماء المتنافسين الكبار من اللائحة ووضع اسم او اثنين من متنافسيهم الكبار، وتم تبادل الشطب، الى ان ظهرت النتائج ….

رسب معظم كبار المتنافسين ، ونجح معظم جماعة الحشو ….

ومع استغراب الجميع من هذه النتيجة ، لم استغرب ، لأن تصارع الاقوياء اوصلتهم الى ماندعوه بالفيزياء الى الحالة الصفرية، أي أنهم اعدموا فرص بعضهم، ولكن الجميع نسي شطب باقي القائمة ، فهم المنسيون، لايخافهم أحد ، ولاينافسهم أحد ، فوصلوا الى المجلس التنفيذي، وهم من كانوا كومبارس.

ورغم ان هذه العجيبة يتصورها البعض أنها محصورة مثلاً في بلدنا، لكن الواقع العملي، اثبت أن هذه القاعدة، تتكرر بشكل دوري في كل المؤسسات الكبيرة حول العالم، واوصلت الكثير ممن لايستحقون الى حكم مؤسسات عالمية، لابل قوى عالمية ايضاً.

والبيروقراطيات لاترحم، فما أن يصل الاقل كفاءة الى منصب ما ، فهو يعرف ، أن هذا لن يتكرر له ابدا ، لذلك يلجأ الى تثبيت نفسه ، باحاطة نفسه بمن هو اقل درجة منه ، فيهبط مستوى تلك المؤسسات البيروقراطية العملاقة تدريجيا مع مع كل موجة توظيف، وترقيات.

وهذا يفسر كيف كانت تلك المؤسسات افضل ، منذ عقود طويلة مضت ، وتدهورت بالتدريج ، الى أن نصل الى مرحلة ، أن تلك المؤسسات لم تعد تحوي كوادر قادرة حتى على اصلاحها ولو فرض عليها الاصلاح ، او التغيير، هم ببساطة غير قادرين ، وغير راغبين حتماً.

ولذلك فشل مثلاً تطعيمهم بقيادات عليا من مرتبة وزير ومعاون وزير أو مدير عام ، خبير، متميز، ماذا يفعل ، بتراكمات بشرية، متعيشة على الثبات ، وعلى تراكم قوانين واجراءات لايمكن تجاوزها الا بالمخالفات المدفوعة ، وهذا ما اسسه القسم الفاسد منهم .

وأهم وسائل دفاعات الكفاءات المنخفضة او المعدومة عن مكاسبها في تعديها على المؤسسات الكبيرة، هي تخفيض رواتبها ، نعم تخفيض رواتبها، لتجعلها اقل جاذبية او منعدمة الجاذبية لاي كفاءة او حتى نصف كفاءة. هل تعتقدون فعلاً ان الحكومات ومنها حكومتنا وقطاعها العام غير قادرة على ان ترفع رواتبها ؟… ومن يمنعها؟ … نحن؟ لا أظن … القلم بيدها … ولكنهم يعرفون …. ان رفعوها أي الرواتب، خسروا وظائفهم … فالهجرة العكسية للكفاءات الى تلك المواقع الحكومية والمؤسسات البيروقراطية ستبدأ … وهم ليسوا انداداً لها … إن بدأت … هذا بالاضافة أن حجتهم بانخفاض ادائهم الوظيفي على انه مرتبط بضعف الراتب …. سينتفي … وسيطالبون بالانجاز … وهم لا يستطيعون … ليس فقط لا يريدون كما يعتقد البعض … نحن ننسى انهم …. الاقل كفاءة … بيننا ..
أما دفاعهم الثاني فهو تضخم كتلة ادارة الموارد البشرية، والمحاسبون، والمدققون ، والقانونيون، وينصب أهم منجز لهم بقانون يحميهم من الطرد أو المحاسبة على الاداء الضعيف … عندنا اسمه قانون العاملين الموحد …. وهناك له اسماء متعددة … لكن المضمون واحد… من دخل … لا يخرج …

لذلك كانت القاعدة الذهبية عالميا …لايمكن ان يتجاوز الراتب للمؤسسات التي لا تستطيع طرد موظفيها ، ربع الراتب المماثل لنفس المنصب في القطاعات الاخرى ….

لتأتي الكوارث، مثل الحرب الطاحنة التي خاضتها البلاد ، لتزيد الفجوة ، فجوة الكفاءات اتساعاً ، فهجرة الادمغة والخبرات، هي من اكبر اثار النزاعات ، واستعادتها أمر شبه مستحيل، فبأيام السلم والرخاء، كان اقحامهم في تلك البيروقراطيات الكبيرة من الامور الصعبة، والمكلفة، فما بالكم الآن.

ولكن الازمات احيانا تفرض حلولها ايضاً، فالبطئ ضد الاعمار، والفساد ضد اغلاق الفجوات التنموية التي تنتجها الحروب، وعدم الكفاءة في ايجاد الحلول النوعية يكشف المستور السابق ، والاستحقاقات تفرض حلولاً جذرية .

اليوم استحقاقنا الكبير هو اللجوء للكفاءات ، اللجوء للكفاءات لاعادة تفكيك ، تلك المؤسسات الى اهدافها، وهي الخدمة العامة ، والانتاج ، والربح، والسرعة في الاستجابة ، واعادة تركيبها بمكونات اصغر، محلية، اسرع ، واذكى، واقدر على القيادة المحلية، وتخضع لضوابط حكومية، تساعدها في انجاز اعمالها حتى بكفاءاتها المتواضعة .

ان هذا الاجراء ، ليس انتحارا لتلك المؤسسات كما سيتصوره البعض بل بالعكس،  من تجاوز هذه العتبة حول الخدمات الحكومية من مراكز كلفة ، الى مراكز ربح ….
والفرق كبير … للعارفين ….
واخيرا

نقطة ضعف الاذكياء والاكفاء انهم يتصارعون …. واثبتت المائة سنة الماضية من عمر البيروقراطيات … أن الاقل كفاءة يتحدون ….

الى ان يصبحوا طبقة لا تخترق ….
وباقي الحديث …. انتم تستطيعون اكماله …

 

التصنيفات : رشاد كامل

وسوم المقالة :

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة