يوميات

الحلم

‏‎‎‎‎‎‎الأحلام گ الطفولة.. لا تموتٌ وتندثر.. بل تختبئ فينا..

وزارة السعادة السورية

رشاد

رشاد أنوركامل …

لايمكن أن يكون هنالك عنوان لمقال أو حديث يثير الابتسامات التهكمية وبنفس الوقت يثير مشاعر حزن كما هو هذا العنوان، فالعنوان كما يبدو “وزارة السعادة السورية” منفصل عن الواقع ، عن أي سعادة نتكلم وعن أي واقع، وعن أي حقبة زمنية، وعن أي وزارت ؟.

ولكن مالايطرح من كل من سيتهكم على هذا العنوان ، هو هل كنا سعداء كشعب قبل الازمة ، وهل من الممكن أن نؤسس لشعب سعيد مابعد الأزمة ؟ …

في العام 2009 قررت أن أحاول أن أحوّل الحزن الدفين في معظم موظفي مدوّنة وطن التي كنت أديرها الى سعادة.

 كنت قد مللت من حركتهم المهترئة وجاهزيتهم الفورية للانبطاح للاحزان، رغم انهم جميعهم كانوا شبابا وشابات من خريجي الجامعات، و صغاراً في العمر، وعازبين ، أي لا هم لديهم الا الحب (كما يفترض) …

المهم ، جمعتهم وبلّغتهم قراري ” يجب ان نجتهد ان نكون مؤسسة سعيدة”، ومن جملة قرارتي التي تصورتها ستنجح ، طلبت منهم أولا ان يزينوا جدران مؤسستنا بالرسومات واللوحات، وطلبت من بعضهم (المختص كما يفترض بقطاع الثقافة والفنون) أن يتابع الفنانين الشباب والمعرض التشكيلي العام وان يشتروا لنا لوحات وان يدعوا لنا الفنانين لنحتفل معهم بتعليق لوحاتهم .. ندعمهم ويدعموننا بالجمال …

وفي خطوة جريئة ثانية قررت أن نشتري كل يومين صندوق تفاح وصندوق موز ونضع صحن فواكه كبير لكل الموظفين وبشكلٍ مجاني متاح لهم طوال النهار .

وقررنا ان نفطر سويّا كل يوم خميس في غرفة الاجتماعات وان نكسر روتين العمل بأن نكتشف أنواعاً من عادات الإفطار لدى كل السوريين حسب محافظاتهم وحسب إثنياتهم ، وطلبنا من الشركس منا تعريفنا على الفطور الشركسي وكذلك من الاكراد وبعدها الى المحافظات وهكذا …

واقترحت عليهم أن نرتدي دائما ثيابا جميلة وأنيقة ، فنحن مؤسسة إعلامية ، ومن الضروري أن نكون جاهزين بأناقتنا ، وطلبت من الشباب أن يكونوا حليقي الذقون، متأنقين ، وان يأتوا بثياب أفضل قليلا من بائعي الغاز في الشارع…

وأخيرا اقترحت عليهم ان نشتري مكتبة للشركة ، وان امنحهم مكافأة 500 ليرة سورية (10 دولار في ذاك الزمان) عن كل كتاب يقرأه أي منهم ، ويقدم لنا رأيه بالكتاب والكاتب … وفعلا اشترينا مئات الكتب …..

مرّت أيام ، لا الكتب قرأت ، ولا الفواكه تم الاستمرار بشرائها ، والأهم أن اللوحات لم تشتر ولم تعلّق ، ومن كل ما طرحناه لم ينفذ الا كم إفطار .

جمعتهم ، وسألتهم : ليش ما نفذتوا يلي اتفقنا عليه ؟

إجابت احد الجريئات منهن : نحن لسنا سعداء ، لنوزع سعادة …. (انزعجت من اجابتها جدا وخاصة انها كانت اقل الناس كفاءة ولولا واسطة قوية ما تحملتها بالعمل، ولم أكن لأوظفها أساساً)….

ولكن لم تكن هي الوحيدة، الواقع ان معظم العاملين من كل الأقسام ايدوها … نعم أستاذ نحن لسنا سعداء !!!…

صحيح اجبتهم …..انتم خلطة حزن معمم عليكم قسرا، الجو العام حزين، ومستقبلكم غامض بالنسبة لكم، والمنافسة مع كل اقرانكم السوريين القادمين من خارج سورية غير متكافئة، ومساهمتكم بالعمل العام لا تتجاوز الشكوى. ولكن جزء أخر ومهم من تعاستكم سببها ضعف كفاءاتكم، فالانسان القادر الناجح، انسان سعيد، حتى في الازمات، هو قادر أن يسعد من حوله على الأقل … أما الانسان الضعيف، متوسط الكفاءة، فهو حزين، حتى لو كان كل من حوله سعيداً …

واصبح هاجسي أن أتابع أصل الحزن الدفين الذي صبغ مجتمعنا السوري وأصبح سمته، والذي غطيناه أحيانا بالجدية ، واحيانا أخرى بالظروف التي تواجهها البلد، وفي الكثير من الأحيان نغطيها بعدم توفر المال ….

سمات الحزن والنكد هذه كانت معممة على القطاع الإعلامي بأكمله ، فكانت كل كتاباتهم تنم عنها.

وطغت الحركات الجسدية الحزينة والدالّة على الملل والثياب الرمادية، والموظفين ممن يرتدون كنزات تريكو نمطية كأنها جزء من العلامة التجارية للمؤسسات الرسمية .

مثقفنا حزين، أفلامنا حزينة، مسلسلاتنا بمعظمها تتحدث عن مدن المخالفات أي ما يسمى اليوم دارما القاع ، وحتى وزراؤنا حزينون لاديمومة لهم ولا سلطات ولا موظفين أكفاء لديهم، يشتكون لك قبل ان تشتكي اليهم ….

أسسنا لثقافة حزن غير مبرر، جرنا اليها، متوسطو الكفاءة ممن وصلوا الى مناصب صغيرة أم كبيرة لا يهم ، ولكنهم عاشوها رعباً من خسارتها لمعرفتهم كيف وصلوا اليها أصلاً. يخافون من أي منافسة، لايحبون الجديد، ويكرهون المبدعين، وبالتأكيد لن يشجعوا السعادة كنموذج حياة، فهم كما قالت لي تلك الموظفة لن يمنحونا السعادة ولن يساهموا بإسعادنا، لأنهم لايريدون.

وأتت الأزمة التي امتدت لسنوات ست في سورية لتعمّق الحزن وتعمل على تأصيله، ولكن ما تحملناه قبل ذلك من تعاسة غير مبررة، لايمكن قبوله في مرحلة مابعد الأزمة في سورية.

لذلك كان لابد لنا في خطط إعادة الإعمار أن نؤسس لمفهوم يتجاوز التعساء بحق او لعدم كفاءتهم ،  الى مفهوم يعتمد كليا على بناء مجتمعات سعيدة. وأن نؤسس لتلك المجتمعات السعيدة بمنهج علمي مدروس معلن وشفاف.

مناهجنا يجب ان تؤسس للترويج للسعادة والايجابية

بيوتنا وحاراتنا ومدارسنا ومراكزنا الترفيهية في كل منطقة يجب أن تصمم على ان تحوي أكبر قدر من مستلزمات السعادة من نوادي رياضية، وأماكن ترفيه، وأماكن للعب الأطفال، ورياض أطفال، ومستوصفات جميلة، وحدائق، ومعارض فنية دائمة.

ولنؤسس لسعادة فكرية بدعم كل المبدعيين والفنانين والأعمال الفنية والأدبية بأنواعها التي تتنج أملاً وتنتج ابتسامة، وتشع سعادة.

لنؤسس لموظف عام كفووء لا يخاف أن يخسر عمله الذي حصل عليه بالواسطة أو من فوق السطوح، ولايكفيه راتبه وهو يعلم ان حتى هذا الراتب لن يحصل عليه ان ترك الوظيفة.

السعادة لمجتمع كامل معيار يصعب جداً تحقيقه، ولكنه معيار إن تم اعتماده فهو سيكون الناظم لكل عمليات التخطيط للمستقبل، وهو من مؤشرات حسن جودة التنفيذ.

ان تبني بناءً، أمر سهل، ان تبني بناءً يسعد فيه قاطنيه هو التحدي.

استسهلنا الحزن، لأن السعادة تحتاج روافع وشخصيات وانتصارات وجمال …. وكلها متوفرة لدينا … وسنحتاج قريبا لوزارة أو ربما أعلى من وزارة، تشرف، وتتأكد من أن هذا المعيار مطبق في كل شيء …. معلنة للشعب السوري أن سعادته قيمة عالية … تستحق ان نعمل من أجلها …

سعادة الأمة هي مقدمة لانتصاراها .

والتاريخ يشهد .

التصنيفات : رشاد كامل

وسوم المقالة :

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة